فهرس الكتاب

الصفحة 24539 من 27345

والعقيدة كذلك كفيلة بجعل المؤسسة العسكرية مؤسسة صالحة، وأن تقف بعيدة عن محاولة تثبيت السياسات الطاغوتية أو القيام بترجمة نزوات الحاكم ورغباته إلى واقع معيش وفرضها على الرعية، فالمعروف أن المؤسسة العسكرية الطرف الأساسي في تنفيذ السياسات الطاغوتية من قتل الأبناء واستحياء النساء وتصليب المعارضين وما إلى ذلك، في حين نجد أنها تتحول في ظل عقيدة التوحيد إلى مؤسسة خيرة مصلحة لا تظلم أحدًا، همها الإصلاح في الأرض لا الإفساد، والسهر على حفظ الأمة وكيانها من الأخطار، وإزالة العوائق وإزاحتها أمام نشر عقيدة التوحيد والحريات العامة المندرجة تحتها. وهذا ما نجده في جنود النبي سليمان عليه السلام، وقد أصبح صلاحهم من الشيوع بحيث عرفه كل من يسكن مملكة سليمان (القائمة على عقيدة التوحيد، بل تجاوز ذلك إلى عالم الحيوانات، فها هي نملة تخاطب بقية النمل بقولها كما حكى القرآن الكريم عنها: يا أيها النمل \دخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون 18(النمل) .

فالجنود أو المؤسسة العسكرية المؤمنة لا تظلم أحدًا، ولا تقتل أحدًا لغير عذر، بل يصل صلاحها إلى أنها لا تعتدي على الحيوانات فلا تقتلها إلا لحاجة، بل يتجاوز ذلك الصلاح إلى عالم الجمادات والنباتات، ويظهر هذا جليًا من خطبة الصديق رضي الله عنه وهو يودع جيش أسامة رضي الله عنه، حيث قال بعد أن وصاهم بتقوى الله تعالى:"يا أيها الناس قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عني؛ لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكله" (3) .

فالعقيدة هي الفيصل بين أن تكون المؤسسة العسكرية مؤسسة مفسدة وأن تكون مصلحة. وقد عُرف منذ القدم أن الجنود لا يمرون ببلد إلا ويتركون آثار الفساد والخراب في كل مكان منه، ويطمرون فيه معالم الحياة والحضارة. وقد انتبهت ملكة سبأ بحكمتها إلى صفة الإفساد عند الجيوش الطاغية فقالت كما حكى القرآن عنها: قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون 34 (النمل) والملوك تدخل بجيوشها.

فهما صورتان: صورة جيش الطاغية الذي يخلف وراءه الفساد والدمار، وصورة جيش التوحيد الذي يحفظ لغير المحاربين أنفسهم وأموالهم من كل اعتداء.

فإذا كان هذا هو حال المؤسسة العسكرية القائمة على عقيدة التوحيد مع الأعداء، فكيف بها وهي تتعامل مع الأزمات الداخلية والمخالفين للحاكم من الداخل؛ فلا تنتهج سياسة القمع والإرهاب سواء أمر بذلك الحاكم أو لا، لأن أمر الله هو المقدم على غيره من الأوامر، ولا سيما أن الشعور بمراقبة الله سبحانه تعالى قد انغرس في هذه المؤسسة والقائمين عليها.

تأثير العقيدة على الرعية

وقل الأمر نفسه بالنسبة للرعية، فعقيدة التوحيد هي التي تدفعها إلى رفض ما يخالف عقيدتها من المبادئ، وإلى رفض الظلم والطغيان، وإلى المقاومة وعدم الخوف على النفس أو المال أو ما إلى ذلك مما يجبن الإنسان في الغالب بسببه عن الإقدام على مقاومة الطغيان والطغاة ومقارعتهم. فعقيدة التوحيد تجعل من كل فرد من الرعية أمة تقابل الحاكم وتخاطبه بأن أي اعوجاج منه، وأي تجاوز سيتم تقويمه وإرجاعه إلى مكانه الطبيعي.

ولما كان ذلك كذلك فإن جل اهتمام الأنبياء وجهدهم كان منصبًا في الدرجة الأولى على بناء العقيدة في الأفراد، وغرس معانيها في النفوس، فما من رسول إلا وقد بدأ دعوته بغرس الإيمان بالمعبود الحق مالك السموات والأرض في نفوس القوم، ثم كانت الخطوة الثانية والرديفة للأولى هي الكفر بالطواغيت، واجتناب عبادتهم أو طاعتهم والخضوع لهم، لذا كان الشعار الذي حمله الرسل ورددوه الواحد منهم بعد الآخر من أولهم إلى خاتمهم عليهم السلام هو: أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت (النحل:36) .

فهي معادلة واضحة متوازنة لا تقبل الخلل، إذا وجد الأول انتفى الثاني وبالعكس، فالإيمان بالله وعبادته بالمعنى الشامل يؤديان إلى اجتناب الطاغوت، ولا شك أن الاجتناب لفظ عامل شامل تدخل تحته أمور كثيرة؛ من اجتناب الطاعة والخضوع والرضا به وبحكمه والركون إليه والميل ونحوه.

فالكفر بالطاغوت واجتنابه معناه الإيمان بالله الواحد الأحد، ولا ينبغي هنا أن نأخذ المعنى الضيق الذي قال به بعض العلماء في تفسير كلمة الطاغوت، وهو الصنم أو الوثن أو الشيطان، بل الطاغوت لفظ عام يدخل فيه كما يقول الإمام الطبري:"كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود أو شيطانًا أو وثنًا أو صنمًا أو كائنًا ما كان من شيء" (4) والحاكم الطاغي ونظامه داخلان تحته من باب أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت