فهرس الكتاب

الصفحة 17706 من 27345

فتكلَّم أبو بكر، فتكلَّم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن ـ أي المهاجرين ـ من قريش الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منَّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم ـ يريد المهاجرين من قريش ـ أوسط العرب دارًا، وأعربهم أنسابًا، فبايِعوا عمرًا أوأبا عبيدة.

فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ عمر مبايعته وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله.

هكذا روى البخاري ما كان من بيعة أبي بكر ( [9] ) ، وقريب منه ما رواه ابن سعد في طبقاته.

ولكن نرى من الخير أنْ نوضِّح ذلك إذ يروي ابن سعد عن إبراهيم التيمي: لما قُبضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجرَّاح فقال: (ابسط يدك لأبايعك، فإنَّك أمين هذه الأُمَّة على لسان رسول الله) ، فقال أبو عبيدة لعمر: (ما رأيت لك فهَّة( [10] ) قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصِّدِّيق وثاني اثنين؟!) ( [11] ) .

أخبرنا أبو عون عن محمد قال: لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم أتوا أبا عبيدة فقال: أتأتونني وفيكم ثالث ثلاثة؟! قال أبو عون: قلت لمحمد: ما ثالث ثلاثة؟ قال: ألم تر إلى تلك الآية (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) [12] ).

وعن عبد الله بن عباس قال: سمعتُ عمر بن الخطاب ـ وذكر بيعة أبي بكر ـ فقال:"وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر" ( [13] ) .

وعن القاسم بن محمد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما توفى اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح. قال: فقام الحباب بن المنذر ـ وكان بدريًا ـ فقال: منَّا أمير ومنكم أمير، فإنَّا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكنَّا نخاف أنْ يليها ـ أو قال يليه ـ أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم، فقال له عمر: إذا كان ذلك فَمُتْ إنْ استطعت، فقال أبو بكر: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين، كقدَّ الأبْلُمة ـ يعني الحوصة ـ. فبايع أول الناس بشير بن سعد أبو النعمان ( [14] ) .

وينبغي أنْ نلاحظ هنا قول البخاري: فأخذ عمر بيده فبايعه الناس، أي أنَّ بيعته كانت عامة.

ذكر الإمام الطبري في حديث طويل له رواه بسنده، أنه لما قُبِضَ النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة"11هـ"اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة، وأخرجوه إليهم وهو مريض، وأخذوا يتداولون في الأمر وفيما يقولونه للمهاجرين.

وأتى عمر الخبر فأقبل إلى منزل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إلى أبي بكر وكان في الدار هو وعلي بن أبي طالب ـ في شغل بجهاز الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أن اخرج فقد حدث أمر لا بُدَّ لك من حضوره، فخرج إليه فقال له عمر: أما علمت أنَّ الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة يريدون أنْ يولوا هذا الأمر سعد بن عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول: مِنَّا أمير ومن قريش أمير؟

فخرجا إليهم ولقيا أبا عبيدة بن الجرَّاح في الطريق، فصحبهما إلى اجتماع الأنصار، وأراد عمر أنْ يتكلَّم كلامًا رآه من قبل، فقال له أبو بكر: رويدًا حتى أتكلَّم، فبدأ أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ الله بعث محمدًا رسولًا إلى خلقه، وشهيدًا على أمته، ليعبدوا الله ويوحدوه، وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، ويزعمون أنها لهم عنده شافعة، وإنما هي حجر منحوت وخشب منجور، ثم قرأ (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ( [15] ) ، وقالوا (مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) ( [16] ) .

فعظم على العرب أنْ يتركوا دين آبائهم، فجعل الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه، على شدة أذى قومهم لهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس لهم مخالف...فهم أول مَنْ عَبَدَ الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلاَّ ظالم.

وأنتم يا معشر الأنصار مَنْ لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام رضيكم الله أنصارًا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون في مشورة ولا نقضي دونكم الأمور.

ثم قام الحباب بن المنذر فتكلَّم طالبًا من الأنصار أنْ يملكوا عليهم أمرهم، فإنه لن يجترئ مجترئ على خلافهم، وإنَّ الناس لن يصدروا إلاَّ عن رأيهم، لأنهم أهل العز والثروة، وأُلوا العدد والمنعة، وذووا البأس والنجدة ثم قال: أبى هؤلاء إلاَّ ما سمعتم، فَمِنَّا أمير ومنكم أمير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت