إن نبي الله يرى سنة الله تجري وفق وعده للصابرين المتقين في الاستخلاف والتمكين ويرى سنة الله تعالى في هلاك الظالمين المستكبرين وكذلك كان. لقد سار فرعون وملؤه في سياسة الجبروت والعدوان ونفذ وعيده وتهديده فقتل الرجال واستحيا النساء وأسرف في الظلم والعدوان ونبي الله موسى وقومه يحتملون كل ذلك، ويرجون فرج الله ونصره. إنها معركة غير متكافئة بكل المقاييس المادية قلة مؤمنة مجردة تواجه الباطل المدجج بالقوة والمال والعتاد . إن سياسة الإرجاف والتخويف وسياسة القتل والتنكيل تجعل الكثير يجمحون عن الإيمان، فأمام تلك الأحكام العرفية التي فرضها فرعون وملؤه أحجم الناس عن الاستجابة لنبي الله موسى كما قال تعالى: ? فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ? [يونس: 83] .
إن الشباب هم حملة المبادئ ورواد التغيير لديهم القابلية والحيوية والنشاط في سرعة الاستجابة وسرعة التنفيذ. لقد آمنت تلك الذرية بموسى عليه السلام وسيف فرعون مسلول على من يؤمن، وأحكامه العرفية معلنة مشهورة، إن اعتناق الإيمان في مثل تلك الأحوال والظروف هو إيمان الواثق بالله المطمئن لوعده ووعيده.
وبين الله لنا فضل المؤمنين بموسى في ظل تلك الأوضاع البوليسية التي كانت مطبقة من قبل فرعون فقال: ? وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ ? ـ غالب قاهرـ ? وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ? وهذا يعني أنه كان متغلبًا على بني إسرائيل قاهرًا لهم لا يستطيعون مقاومته.
وفي هذه الظروف العصيبة يبين نبي الله لقومه ما يجب عليهم فعله للتخلص من الظلم والطغيان حين رأى خوفهم من فرعون كما أخبر الله عز وجل: ? وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ? [يونس:84-86] .
لقد وجههم إلى الاعتماد والتوكل على رب الأرض والسماوات إن كنتم آمنتم بالله وصدقتم بوعده ووعيده فكلوا أموركم إليه وحده.. إن نبي الله يربط القلوب ويصلها بخالقها وبارئها في تلك الظروف الصعبة لأن القلوب إذا اتصلت بالله أكسبها ذلك قوة وتمسكًا وثباتًا على الحق، ويجعلها تستهين بكل ما ينالها من أنواع الإيذاء والبلاء.. وتشق طريقًا للخلاص من كيد الكائدين ومؤامرات الكافرين.
وكذلك يجب على المسلمين اليوم والأخطار تحيط بهم من كل حدب وصوب، عليهم أن يرجعوا إلى خالقهم وبارئهم، يطلبون منه المعونة والمدد على خصومهم وأعدائهم.
وأمر آخر أمر الله به موسى وهارون وهو من أعظم الأمور قال تعالى: ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ? [يونس:87] .
إنها تعبئة روحية إلى جوار التعبئة النظامية في الأخذ بالأسباب المتاحة. ولقد ذكر أن بني إسرائيل كانت لهم أماكن للعبادة يجتمعون فيها فلما جاء موسى رسولًا من رب العالمين خرب فرعون أماكن عبادتهم وضيق عليهم الخناق وطارد المصلين فأمروا بأن يجعلوا بيوتهم مساجد متوجهة نحو القبلة خيفة من الكفرة لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنونهم عن دينهم كما كان حال المسلمين في الفترة المكية.. ثم أمرهم الله جميعًا بإقامة الصلاة فإن الصلاة شأن عظيم في الحياة ولا سيما عند اشتداد المعارك وحصول المشاق. ولقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الصلاة كلما حزبه أمر قال تعالى: ? وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ.. ? [البقرة:45] .
لقد أثبتت التجارب بأن الإيمان وقوة العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الآلة الحربية مهما عظمت إذا كانت في يد الجندي الخائر الإيمان والعقيدة لا تساوي شيئًا كثيرًا في ساعة الشدة (يمكن أن يكون لها قيمة في الاستعراضات)
إن الأمة الإسلامية في أشد الحاجة إلى الرجوع إلى الله وإقامة الصلاة جماعة في مساجدها ويوم أن تمتلئ المساجد وتقام فيها الصلوات الخمس كاملة غير منقوصة فأبشروا بكل خير في الدنيا والآخرة ? ...وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ? [يونس:87] .
الخطبة الثانية:
طريق آخر من طرق النجاة ومسلك عظيم من مسالكها اتخذه نبي الله موسى عليه السلام، وهو سلاح مهلك ومدمر للأعداء إذا لجأ إليه المظلومون والمستضعفون إنه سلاح الدعاء.