أقول: وهذا رأي الشيعة الإمامية أيضًا: إذ الأئمة المعصومون الذين خلوا من قبل، لا تزال أقوالهم هي المرجع في كل ما قد أبرموا القول فيه، غير أن أقوالهم لا تسمى عندهم اجتهادًا بالمعنى المتداول عند أهل السنة. إذ الاجتهاد عند الجمهور قابل للخطأ، نظرًا إلى أنه صادر من جهده الشخصي، أما عند الشيعة فالعصمة عن الخطأ هي السمة التي لابدَّ أن يتصف الأئمة بها. ومن ثم فإن أقوالهم التي صدروا عنها في الأحكام، بمثابة وحي علوي، أو هو اجتهاد، ولكنه اجتهاد معصوم عن تسرب الخطأ إليه.
بقي أن نقول: إن خضوع الاجتهاد للفرض الكفائي في كل زمن، يضفي إشكالًا كبيرًا على المقولة الدارجة على كثير من الأفواه: (( إن باب الاجتهاد قد أغلق منذ أوائل القرن الخامس ) )ولسوف نناقشها، ونوضح وجه الحق فيها، في المكان المناسب من هذا البحث إن شاء الله.
موضوع الاجتهاد، والمحور الذي يدور عليه:
يدور الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، مهما تنوع، على محور النص من القرآن أو السنة، فهو يظلّ مرتبطًا به، خاضعًا له، باحثًا عنه. ذلك لأن الاجتهاد في مسألة ما من مسائل الدين، لا يعدو أن يكون استجلاء لمدى صحة النص وثبوته، أو تبينًا لمعناه ودلالته، ويدخل في الحالة الثانية البحث في مدى عموم النص أو خصوصه، أو إطلاقه أو تقييده، وفي مدى خضوعه للتأويل، وفي العلة التي يدور عليها حكمه.
بل إن مطلق ما يسمى حكمًا في مصطلح الشريعة الإسلامية، لا يتحقق له وجود، إلاّ على أساس الخبر أو الحكم الذي بلغنا من الله عز وجل ورسوله. إذ بدونهما لا يسمى العلم الشرعي علمًا، بل هو لا يعدو أن يكون وهمًا وزغلًا.
وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله: (( وليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء: حلّ أو حرم، إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر في كتاب الله أو السنة أو الإجماع أو القياس ) ) (2) .
ومعلوم أن كلًا من الإجماع والقياس أثر من آثار النص، لا يتقومان إلاّ به، ولا ينهضان إلا عليه. ويقول الإمام الشافعي في بيان أن القياس أثر لا ينفك عن النص: (( والقياس ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر من الكتاب أو السنة، لأنهما عَلَمُ الحقّ المفترض طلبه ) ) (3) .
ولو جاز أن تتسع دائرة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية إلى تخطّي حدود النصّ ومدلولاته، إذن لجاز لهذا الاجتهاد ذاته أن يبطل حكم الشريعة بأسرها، وأن يستبدل بها شيئًا فشيئًا غيرها.
ولقد أوضح الشاطبي هذه الحقيقة بدقة بارعة عندما قال:
(( ولو جاز للعقل تخطّي مأخذ النقل(أي النص) لجاز إبطال الشريعة بالعقل. وهذا محال باطل. وبيان ذلك أن معنى الشريعة أنها تَحُدُّ للمكلفين (أي بالنقل الوارد إلينا من الله ورسوله) حدودًا في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم. وهو جملة ما تضمنته. فإن جاز للعقل تعدي حدٍّ واحد، جاز له تعدي جميع الحدود، لأنّ ما ثبت للشيء ثبت لمثله.. وهذا لا يقول به أحد )) (4) .
وقد حصر الماوردي عمل المجتهد في سبعة أقسام لا يتجاوزها، تدور كلها على محور النص. وهي: إثبات النص، أو استخراج علته، أو ضبط مدلولاته، أو الترجيح بين احتمالاته، أو الكشف عن عمومه وخصوصه، أو إطلاقه وتقيده (5) .
هل القياس مصدر آخر إلى جانب النص؟
إن فيما قد أوضحته، ثم أيدّته بكلام الإمام الشافعي ومن جاء بعده، ما يجزم بأن القياس ليس إلا واحدة من الدلالات التي تهدي إلى معنى النص ومضمونه.
وفي هذا ما يدل على أن الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين الشيعة الإمامية في مشروعية الأخذ بالقياس في استنباط الأحكام، ليس إلا خلافًا لفظيًا. إذ إن الشيعة الإمامية يستعظمون القول بحجية القياس مصدرًا ثالثًا من مصدري التشريع: (القرآن والسنة) تخوفًا من أن ينتهي هذا القول إلى هيمنة القياس على النص، وإلى التضييق من دلالته أو القضاء عليها.
غير أن ما عرفناه الآن من أن مهمة القياس ليست إلاَّ خدمة النص، عن طريق الكشف عن المعاني الكامنة فيه، وعن حدود ما يرمي إليه، يقضي على هذا التخوف، ويذيب أي أثر لهذا الخلاف. وهذا ما قد انتهى إليه العالم المحقق الشيخ محمد مهدي شمس الدين إذ يقول: (( الحقيقة أن ذكرنا لا يعني أنه يوجد تباين كامل بين المذاهب في هذه الأدوات الاستنباطية. ففي بعض الموارد يكون الاختلاف لفظيًا. أي إن الاختلاف يكون في التسمية فقط. وبعض الموارد التي تعتبر قياسًا عند أهل القياس، لا يسميها فقهاء الإمامية قياسًا ) ) (6) .
مجالات الاجتهاد
من الثابت يقينًا أن الاجتهاد المشروع، هو ما تعلق بحكم شرعي ليس فيه دليل قطعي. ذلك لأن الحاجة إلى الاجتهاد متفرعة عن وقوع الاحتمال في ثبوت النص أو في دلالته، كما قد أوضحنا من قبل.. ولا يقع الاحتمال إلا حيث يكون الدليل ظنيًا.