وهذا من حكمة الله العليا ورحمته بعباده أن أيد الرسل بالآيات لئلا يبقى أمرهم مشكلًا؛ فيقع الناس في الحيرة والشك ولا يطمئنون إلى ما جاءوا به، وهذه الآيات التي جاء بها الرسل لابد أن تكون خارجة عن طوق البشر؛ إذ لو كانت في استطاعتهم ما صح أن تكون آية لإمكان البشر أن يدَّعي الرسالة ويأتي بها إذا كانت تحت قدرته، ولكن آيات الرسل لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها وقد جاءت كبريات الآيات من جنس ما برز به أهل العصر الذي بعث فيه ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما قرر ذلك أهل العلم، واستشهدوا على ذلك بآيات موسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - فإن عهد موسى ترقَّى فيه السحر حتى بلغ السحرة الغاية في المهارة والحذق؛ فكان من أكبر الآيات التي جاء بها موسى ما يربو على فعل السحرة وهو يشبه في ظاهره السحر وإن كان يختلف اختلافًا كبيرًا؛ لأن ما جاء به موسى حقيقة ما يراه الناظر، بخلاف السحر فإنه يخيَّل للناظر وليست حقيقته كما يراه، فكان من الآيات التي جاء بها موسى عصاه التي يلقيها فتكون حية ثعبانًا، ويأخذها فتعود في يده عصاه الأولى، وقد ألقاها عند فرعون حين دعاه إلى الإيمان بالله، وكذلك كان موسى يُدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، أي من غير عيب وبرص، وقد أخرجها كذلك عند فرعون حين دعاه إلى الإيمان بالله، فلما رأى فرعون هاتين الآيتين كابر وقال للملأ حوله: (إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ(109) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) [الأعراف] ، وقد ألقى موسى عصاه كذلك عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم في المجتمع العظيم الذي قرره موسى حسب طلب فرعون أن يجعل بينه وبينه موعدا ليغالبه في سحره كما زعم فلما اجتمع السحرة وألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون؛ فجاءوا بسحر عظيم حتى كانت تلك الحبال والعصي يخيل إلى رائيها أنها تسعى؛ ألقى موسى عصاه بأمر الله - تعالى - فإذا هي تلقف ما يأفكون فتلْتهم هذه الحبال والعصي عن آخرها، فعلم السحرة - وهم أهل السحر وأعلم الناس به - أن ما جاء به موسى ليس بسحر وإنما هو من الأمور التي لا يمكن للبشر معارضتها (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وهَرُونَ) [الشعراء: 46-48] .
وكذلك كان لهذه العصا مجال آخر حينما كان موسى يستسقي لقومه فيضرب بها الحجر فيتفجر منه اثنتا عشرة عينًا بقدر قبائل بني إسرائيل.
وكان لها مجال آخر أيضًا حينما وصل موسى وقومه إلى البحر وخلفهم فرعون بجنوده فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق اثني عشر طريقا فسلكه موسى وقومه فنجوا.
وفي زمن عيسى - عليه الصلاة والسلام - كان علم الطب مترقيًا إلى حد كبير؛ فجاءت آياته بشكل ما كان مترقيًا في عهده من الطب إلا أنه أتى بأمر لا يستطيع الطب مثله، فكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فتكون طيرًا بإذن الله، والناس يشاهدون ذلك، وكان أيضًا يبرىء الأكمه - وهو الذي خُلق أعمى - ويبرىء الأبرص بإذن الله - تعالى - وهذان المرضان من الأمراض التي لا يستطيع الأطباء في ذلك الوقت - وإلى هذا الوقت فيما أعلم - أن يبرئوهما، بل قال بعض العلماء إنه إنما سمي المسيح؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برِىء وذكر في القرآن أن عيسى يحيي الموتى بإذن الله، وفى آية أخرى يُخرج الموتى وهذان عملان مختلفان؛ العمل الأول إحياء الموتى قبل دفنهم، والثاني إحياؤهم وإخراجهم من قبورهم بعد الدفن، ولا ريب أن هذه الآيات التي أُعطيها عيسى - عليه الصلاة والسلام - يعجز عن مثلها البشر؛ فتأييده بها دليل وبرهان على أنه رسول من الله الخالق القادر عليها.
وقد يؤيد الله الرسل بآيات أخرى ولكن أبرز الآيات وأعظمها يكون من جنس ما شاع في عصر الرسول؛ ولذا أيد الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بآيات كثيرة أبرزها وأعظمها هذا القرآن الكريم، الذي هو كلام رب العالمين، (لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فُصلت: 42] ؛ لأنه شاع في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فن البلاغة والفصاحة وصار البيان والفصاحة معترك الفخر والسيادة كما يعلم ذلك من تتبع التاريخ.
معجزات الأنبياء: معجزات الأنبياء هي الآيات التي أعجزوا بها البشر أن يأتوا بمثلها، والله - تعالى - يسميها آيات، أي علامات دالة على صدق الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - فيما جاءوا به من الرسالة.
والمعجزة - في اصطلاح العلماء: (أمر خارق للعادة(أي جارٍ على خلاف العادة الكونية التي أجراها الله - تعالى - في الكون) ، سالم عن المعارضة، يُظهره الله - تعالى - على يد الرسول تأييدًا له)، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من أصابع يد النبي - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك مما سيمر بك.