فالأمر الجاري على وفق العادة لا يسمى معجزة، كما لو قال قائل أريكم معجزة أن لا يمضي ساعة حتى تطلع الشمس، وكان ذلك قبل طلوع الشمس بأقل من ساعة، فإن الشمس إذا طلعت في زمن طلوعها لا يعد طلوعها معجزة لهذا القائل؛ لأن طلوعها في وقته على وفق العادة وليس خارقًا للعادة.
وإذا كان الشيء الخارق للعادة غير سالم من المعارضة فلا يسمى معجزة، مثل الأمور التي تقع من السحرة والمشعبذين ونحوهم؛ لأن الأمور التي يأتون بها يمكن معارضتها بفعل ساحر أو مشعبذ آخر.
وإذا كان الشيء الخارق للعادة جاريًا على يد ولي من الأولياء فلا يسمى معجزة اصطلاحًا، وإنما يسمى كرامة، ولكن هذه الكرامة الحاصلة للولي هي في الواقع معجزة للرسول الذي كان الولي متبعا له؛ إذ الكرامة دليل على صحة طريقة ذلك الولي.
فوائد آيات الأنبياء ومعجزاتهم: إن الآيات التي جاء بها الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ذات فوائد كثيرة نلم منها بما يلي: 1- بيان قدرة الله - تعالى - فإن هذه الآيات لابد أن تكون أمورا خارقة للعادة كشاهد دليل على صحة ما جاء به الرسل، وإذا كانت خارقة للعادة كانت دليلًا على قدرة الخالق وأنه قادر على تغيير مجرى العادة التي كان الناس يألفونها، ولذا تجد المرء يندهش عند هذه الآيات ولا يمكنه إلا أن يصدق برسالة الرسول الذي جاء بها حيث جاء بما لا يقدر عليه أحد سوى الله - عز وجل -.
2 -بيان رحمة الله بعباده؛ فإن هذه الآيات التي يرونها مؤيدة للرسل تزيد إيمانهم وطُمأنينتهم لصحة الرسالة ومن ثم يزداد يقينهم وثوابهم ولا يحصل لهم حيرة ولا شك ولا ارتباك.
3 -بيان حكمة الله البالغة؛ حيث لم يرسل رسولًا فيدعه هملًا من غير أن يؤيده بما يدل على صدقه وإن المرء لو أرسل شخصًا بأمر مهم من غير أن يصحبه بدليل أو أَمارة على صحة إرساله إياه لعُدّ ذلك سفهًا وموقفًا سلبيًا من هذا الرسول، فكيف برسالة عظيمة من أحكم الحاكمين؟ !، إنها لابد أن تكون مؤيدة بالبراهين والآيات البينات.
4 -رحمة الله بالرسول الذي أرسله الخالق؛ حيث ييسر قبول رسالته بما يجريه على يديه من الآيات ليتسنى إقناع الخلق بطريقة لا يستطيعون معارضتها ولا يمكنهم ردها إلا جحودًا وعنادًا؛ قال الله - تعالى - (فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) ، أي لما يرون من الآيات الدالة على صدقك، (ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) [الأنعام: 33] .
5 -إقامة الحجة على الخلق؛ فإن الرسول لو أتى بدون آية دالة على صدقه لكان للناس حجة في رد قوله وعدم الإيمان به، فإذا جاء بالآيات المقنعة الدالة على رسالته لم يكن للناس أي حجة في رد قوله.
بيان أن هذا الكون خاضع لقدرة الله وتدبيره، ولو كان مدبرًا لنفسه، أو طبيعة تتفاعل مقوماتها وتظهر من ذلك نتائجها وآثارها - لما تغيرت فجأة واختلفت عادة بمجرد دعوى شخص لتؤيده بما ادعاه.
فانظرْ إلى الأكوان الفلكية التي لا تتغير بعوامل الزمن إلا بإرادة الله، ولقد أجراها الله - تعالى - كما قدر لها أن تجري منذ خلقها الله حتى يأذن بانتهائها.
آيات النبي محمد - صلى الله عليه وسلم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح) : (والآيات والبراهين الدالة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- كثيرة وهى أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ويسميها من يسميها من النظار(معجزات) ، وتسمى (دلائل النبوة) و (أعلام النبوة) ونحو ذلك، وهذه الألفاظ التي سميت بها آيات الأنبياء كانت أدل على المقصد من لفظ المعجزات؛ ولهذا لم يكن لفظ المعجزات موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ الآية والبينة والبرهان).
قال - رحمه الله: (والآيات نوعان منها ما مضى وصار معلوما بالخبر، ومنها ما هو باقٍ إلى اليوم كالقرآن والإيمان والعلم اللذيْن في أتباعه، وكشريعته التي جاء بها..) .
ومن هذه الآيات:
1-القرآن الكريم وهو أعظم آيات النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه الآية السابقة الباقية، فمنذ أوحى الله إليه به حتى اليوم وهو آية شاهدة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فالقرآن كلام الله - تعالى - لفظًا ومعنى، تكلم الله به نفسه كلامًا حقيقيًا؛ فأوحاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوعاه وحفظه، وتكفل الله له بحفظه؛ حيث قال: (إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ(17) فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة: 17-19] .
وإذا كان الله قد تكفل ببيانه؛ فمعناه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيحفظه ويعيه حتى يبلغه للناس ويبينه لهم، قال - تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] .