فهرس الكتاب

الصفحة 15075 من 27345

والقرآن آية من آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - الدالة على صدقه من عدة أوجه: الأول: عجز الخلق كلهم أن يأتوا - مجتمعين أو منفردين - بمثل هذا القرآن؛ قال الله - تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء: 88] ، يعني لا يمكن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم معينًا لبعض؛ وذلك لأن القرآن كلام الله ولا يمكن أن يماثله شيء من كلام المخلوقين، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى، ولا من حيث التأثير، ولا من حيث الثمرة والآثار الحميدة.

الثاني: من حيث اللفظ في قوته ورصانته وتركيبه وأسلوبه ونظمه وبيانه ووضوحه وشموله للمعاني العديدة الواسعة التي لا تزال تظهر عند التأمل والتفكير، حتى إنك لتسمع الآية التي ما تزال تقرؤها فينقدح لك منها معنى جديد كأنك لم تسمع الآية من قبل وكأن الآية نزلت لتوّها من أجله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (نفس نظْم القرآن وأسلوبه عجيب بديع، ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة، ولم يأتِ أحد بنظير هذا الأسلوب، فإنه ليس من جنس الشعر ولا الرجز ولا الرسائل ولا الخطابة، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس عربهم وعجمهم، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته هذا عجيب خارق للعادة ليس له نظير في كلام جميع الخلق) .

وقال الشيخ محمد رشيد رضا - في كتابه (الوحي المحمدي) : (إن القرآن لو أُنزل بأساليب الكتب المألوفة المعهودة وترتيبها لفقد بهذا الترتيب أخص مراتب إعجازه المقصود بالدرجة الثانية) .

وقال: (لو كان القرآن مرتبًا مبوبًا - كما ذكر - لكان خاليًا من أعظم مزاياه شكلًا وموضوعًا، يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذي أنزله به رب العالمين العليم الحكيم الرحيم، وهو مزج تلك المقاصد كلها بعضها ببعض، وتفريقها في سوره الكثيرة الطويلة منها والقصيرة بالمناسبات المختلفة، وتكرارها بالعبارات البليغة المؤثرة في القلوب المحركة للشعور المنافية للسآمة والمَلَل) ...

إلى أن قال: (والقابلة لأنواع أخرى من الإلقاء الخطابي في الترغيب والترهيب والتعجب والتعجيب والتكريه والتحبيب والزجر والتأنيب واستفهام الإنكار والتقرير والتهكم والتوبيخ بما لا نظير له في كلام البشر من خطابة ولا شعر ولا رجز ولا سجع، فبهذا الأسلوب الرفيع في النظم البديع وبلاغة التعبير الرفيع كان القرآن كما ورد في معنى وصفه، لا تبلى جدته ولا تخلقه كثرة الترديد) . اهـ.

الوجه الثالث من إعجاز القرآن من حيث أهدافه العالمية وآدابه الكاملة وتشريعاته المُصلحة، فقد جاء بإصلاح العقيدة من الإيمان بالله وبما له من الأسماء والصفات والأفعال، والإيمان بجميع ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما يتعلق بذلك، وجاء بإخلاص العبادة لله وتحرير الفكر والعقل والشعور من عبادة غير الله والتعلق به خوفًا ورجاءً ومحبة وتعظيمًا.

وجاء بالآداب الكاملة - التي يشهد بكمالها وصلاحها وإصلاحها كل عقل سليم - أمر بالبر والصلة والصدق والعدل والرحمة والإحسان، ونهي عن كل ما يخالف ويناقض من الظلم والبغي والعدوان..

أما تشريعاته فناهيك بها من نظم مصلحة للعباد والبلاد في المعاش والمعاد، وإصلاحًا في العبادة، وإصلاحًا في المعاملة في الأحوال الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والفردية والكمالية، فيما لو اجتمع الخلق كلهم على سنّ نظم تماثلها أو تقاربها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

الوجه الرابع من إعجاز القرآن قوة تأثيره في النفوس والقلب؛ فإنه ينفذ إلى القلب نفوذ السهم في الرمية، ويسيطر على العقول سيطرة الشمس على أفق الظلام، كما شهد بذلك المُوالي والمعادي، حتى إن الرجل العادي - فضلًا عن المتعلم - لَيسمع القرآن فيجد من نفسه جاذبية عظيمة تجذبه إليه قسرًا، يعرف أن ليس هذا من كلام البشر، وقصة سماع الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة له معروفة في السيرة.

ولقد كان بعض الكبراء من قريش يأتون ليلًا خفية يستمعون إلى تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للقرآن كما جرى ذلك لأبي جهل وأبي سفيان وغيرهما.

وهذه القصص وأمثالها تدل دلالة ظاهرة على تأثير القرآن في النفوس وأخْذه بمجامع القلوب.

ولكن هذا التأثير قد لا يظهر لكل أحد، إنما يظهر لمَن كان له ذوق ومعرفة بأساليب الكلام وبلاغة اللسان. ومن يكُ ذا فم مر مريض *** يجد مُرًا به الماء الزُّلالا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بعد أن ذكر أنواعًا من إعجاز القرآن: (وهذه الأمور مَن ظهرت له من أهل العلم والمعرفة ظهر له إعجازه من هذا الوجه ومن لم يظهر له ذلك اكتفى بالأمر الظاهر الذي يظهر له ولأمثاله كعجز جميع الخلق عن الإتيان بمثله مع تحدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وإخباره بعجزهم فإن هذا أمر ظاهر لكل أحد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت