فهرس الكتاب

الصفحة 6985 من 27345

وهنا وقفة مهمة كيف نجمع بين قوله _تعالى_:"إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (يوسف: من الآية28) وبين قوله _تعالى_:"إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" (النساء: من الآية76) هنالك من قال بناء على هاتين الآيتين، أن كيد النسوة أعظم من كيد الشيطان، وهذا غير صحيح. فكيد الشيطان عندما وصفه الله _تعالى_ بأن كيد الشيطان كان ضعيفا، وصفه في سياق معين، وكيد المرأة وصف في سياق معين، والدليل أن كيد الشيطان أعظم من كيد النسوة، أن كيد المرأة هنا جزء من كيد الشيطان، فالذي جعل المرأة تفعل هذا الفعل هو من كيد الشيطان، ومن تسويل الشيطان، ومن حيل الشيطان، وهو الذي تابع مسلسل الإخراج من أوله إلى آخره، لكن هنا ملحظ مهم، وهو: أن العزيز كان يصف الكيد الذي أمامه،"إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (يوسف: من الآية28) ، فلم يكن المقام مقام مقابلة بين كيد الشيطان وبين كيد المرأة ، فحتى نقول: إن كيد المرأة أو كيد النساء أعظم من كيد الشيطان. إنما هو الآن يصف المشهد الذي أمامه ولا شك أنه كيد عظيم، من إغلاقها الباب، ومن مراودتها ليوسف، ومن محاولتها ولحقها إياه وقدّ القميص، ثم لما قلبت الدعوى عليه، بعد كل ما فعلت، وهذا كيد عظيم ولا شك، أما هناك فالله _جل وعلا_ يبين للمؤمنين ألا يتأثروا بالشيطان وألا ينخدعوا بمحاولاته؛ لأن كيده ضعيف."مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ" (إبراهيم: من الآية22) ، كما يقول يوم القيامة،"فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ" (إبراهيم: من الآية22) ، ولذلك قال النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهو يصف كيد الشيطان:"الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". فإذن ليست المقارنة بين كيد المرأة وكيد الشيطان حتى نقول: إن كيد المرأة أعظم من كيد الشيطان. الصحيح أن كيد الشيطان أعظم من كيد النساء؛ لأن هذا الكيد من المرأة هو جزء من كيد الشيطان، ومن إيحاء الشيطان، ومن تأثير الشيطان، فاستجابت له وأصبحت صدى له، هذا الذي يظهر لي من هذه الآيات، ومع ذلك أقول: إن الشيطان يكيد عن طريق الوسوسة، بينما المرأة تكيد مباشرة. هنا الفرق في المسألتين، ولذلك يكون تأثير الشيطان بالنسبة للمؤمن الصادق تأثير قليل وضعيف إذا تحصن بالأوراد، إذا تحصن بالأدعية، إذا تحصن بكل وسائل مقاومة الشيطان، فإن كيد الشيطان ضعيف، أما مخالطة النساء والخلوة مع المرأة فهنا كيد النساء عظيم.

ومن هنا أنبه إلى خطورة الخلوة بالنساء، فهناك من تساهل في ذلك وبخاصة مع بعض الأقارب أو مع الخدم والسائقين، حتى أصبح السائق في كثير من البيوت وكأنه من أهل البيت، وهذا خلل تساهل فيه أولياء الأمور وأرباب البيوت، ووقعت مصائب عدة لا تخفى على العاقل. إذا كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ لما سئل عن الحمو، (وهو: أخ الزوج أو قريب الزوج) ، قال:"الحمو الموت". مع أن قريب الزوج يكون عنده من العوامل والأسباب ما يردعه ويمنعه أعظم مما لدى الرجل الغريب الأجنبي، فالخلوة بالنساء أمرها عظيم، والشيطان قد يزين للمرأة أو الرجل، أو لكليهما فيقع المحذور، وقد قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:"ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما"، أي: ما خلا بامرأة لا تحل له وليست محرمًا له وليس محرمًا لها، ولذلك بين النبي _صلى الله عليه وسلم_ أن الرجل لا يخلو مع المرأة إلا ومعه محرم، سدًا للذريعة، وإبعادًا للتهمة.

وهنا يرد سؤال: ماذا فعل العزيز لما ثبت له أن يوسف بريء وزوجته مذنبة؟ قال:"يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ" (يوسف:29) . فقال له: أعرض عن هذا، لا تتكلم بهذا الموضوع من أجل ألا ينتشر ويفشو هذا السر وهذا الخطأ، ثم بين أن المرأة هي التي وقعت في الذنب، فقال لها:"وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ..." (يوسف:29) ، أكد هذا،"كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ" (يوسف: من الآية29) . وبهذا نرد على الذين قالوا: إن يوسف _عليه السلام هم بها همًا لا يليق به_، فالدليل على أن المرأة هي التي أخطأت، ويوسف _عليه السلام_ لم يخطئ أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت