فهرس الكتاب

الصفحة 19922 من 27345

إن القيام بخدمة المجتمع، وتقديم العون له ـ وخصوصًا للفئات الضعيفة فيه ـ عبادة رفيعة القدر، لم يحسنها كثير من المسلمين اليوم، برغم ما ورد في الإسلام من تعاليم تدعو إلى فعل الخير، وتأمر به، وتجعله فريضة يومية على الإنسان المسلم.

ولقد بينت في كتابي"العبادة في الإسلام": أن الإسلام قد فسح مجال العبادة ووسع دائرتها، بحيث شملت أعمالًا كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربة إلى الله.

إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات، ما دام قصد فاعله الخير، لا تصيد الثناء، واكتساب السمعة الزائفة عند الناس، كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائرًا، أو يعلم جاهلًا، أو يؤوي غريبًا، أو يدفع شرًا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعًا إلى ذي كبد رطبة، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية.

أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمن، وشعب الإيمان، وموجبات المثوبة عند الله تعالى.

وإننا لنقرأ أحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، فنرى أنه لم يكتف بفرض هذه العبادة العامة على الإنسان من حيث هو إنسان فحسب، بل يشتد في طلبها، فيفرضها على كل ميسم من مياسمه، أو كل مفصل من مفاصله!

فيروي أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته، فيحمله أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة" (متفق عليه ) .

ويروي ابن عباس نحو هذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم! فقال رجل من القوم: هذا من أشد ما أنبأتنا به! قال: أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر من الطريق صلاة وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة" (رواه ابن خزيمة في صحيحه ) .

ونحو ذلك ما رواه بريدة عنه صلى الله عليه وسلم قال:"في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة. قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله؟ - ظنوها صدقة مالية- قال: النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحية عن الطريق.." (رواه أحمد وأبو داود وابن حزيمة وابن حبان ) .

وقد وردت أحاديث عديدة تجعل تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، وإسماع الأصم، وهداية الأعمى، وإرشاد الحيران، ودلالة المستدل على حاجته، والسعي بشدة الساقين مع اللهفان المستغيث، والحمل بشدة مع الضعيف، وما يدور في هذا الفلك من الأعمال، عده رسول الله عبادة كريمة، وصدقة طيبة.

وبهذا يعيش المسلم في مجتمعه ينبوعًا يفيض بالخير والرحمة، ويتدفق بالنفع والبركة، يفعل الخير ويدعو إليه؛ ويبذل المعروف ويدل عليه، فهو مفتاح للخير، ومغلاق للشر، كما حثه النبي الكريم، كما في حديث ابن ماجه"طوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر".

يقول بعض المتحمسين:

ولكن هذه الأعمال الاجتماعية تعطل المشتغل بها عن نشر الدعوة إلى الإسلام، وتوعية الناس بحقيقته، وهذا أوجب ما يجب الاشتغال به.

وأقول لهؤلاء: إن العمل الاجتماعي هو لون من الدعوة، فهي دعوة للناس في مواقعهم، وهي دعوة مقترنة بالعمل.

فالدعوة ليست مجرد كلام يقال أو يكتب، بل الاهتمام بأمر الناس، وحل مشكلاتهم يقربهم من الفكرة، ورحم الله الإمام حسن البنا، فقد وعى ذلك كل الوعي، وأنشأ مع كل شعبة يفتحها قسمًا للبر والخدمة الاجتماعية.

ثم إن المسلم مأمور بفعل الخير للناس، مثلما أمر بالركوع والسجود وعبادة الله تعالى. يقول القرآن: (( يأَيُّهَا الّذينَ آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حقّ جهاده هو اجتباكم.. ) ) (الحج: 77/78 ) .

فهذه شعب ثلاث لرسالة المسلم في الحياة: شعبة تحدد علاقته بالله، وتتمثل في عبادة الله تعالى.. وشعبة تحدد علاقته بالمجتمع، وتتمثل في فعل الخير.. وشعبة تحدد علاقته بقوى الشر، وتتمثل في الجهاد في الله حق الجهاد..

فمن شغل نفسه بفعل الخير في المجتمع لم يشغل نفسه إلا بما أوجب الله عليه، ومن فعل ذلك فهو مأجور عند الله، محمود عند الناس.

ويقول بعض هؤلاء المتحمسين أيضًا:

إن جهود الداعين إلى الإسلام يجب أن تتركز في إقامة الدولة الإسلامية، التي تحكم بما أنزل الله، وتقيم الحياة كلها على أساس الإسلام ، تطبقه في الداخل، وتبلغه في الخارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت