فهرس الكتاب

الصفحة 19923 من 27345

وحين تقوم هذه الدولة، ستتولى هي كل ما ذكرت من حاجات المجتمع ومطالبه، ستوفر التعليم لكل جاهل، والعمل لكل عاطل، والضمان لكل عاجز، والكفاية لكل محتاج، والدواء لكل مريض، والإنصاف لكل مظلوم، والقوة لكل ضعيف... وعلينا أن نعمل لإيجاد هذه الدولة، ولا نضيع الوقت في ترقيعات جزئية، وإصلاحات جانبية، أشبه بالأقراص المسكنة للآلام، وليست بالأدوية التي تستأصل الأمراض من جذورها. ونقول لهؤلاء الإخوة:

إن إقامة الدولة المسلمة، التي تحكم بشريعة الله، وتجمع المسلمين على الإسلام ، وتوحدهم تحت رايته، فريضة على الأمة الإسلامية، يجب أن نسعى إليها، وعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها، متخذين أمثل المناهج، سالكين أفضل السبل، ليجمعوا الجهود المبعثرة، ويقنعوا العقول المرتابة، ويزيحوا العوائق الكثيرة، ويربوا الطلائع المنشودة، ويهيئوا الرأي العام المحلي والعالمي لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم.

وهذا كله يفتقر إلى وقت طويل، وصبر جميل، حتى تتهيأ الأسباب، وتزول الموانع، وتتوافر الشروط، وتنضج الثمرة.

وإلى أن يتحقق هذا الأمل، ينبغي أن يشتغل الناس بما يقدرون عليه، ويتمكنون منه، من خدمة لأهليهم، وإصلاح لمجتمعاتهم، التي يحيون بين ظهرانيها، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. على أن في ذلك تربية للطلائع المرجوة، وصهرًا لها، وامتحانًا لقدرتها على قيادة المجتمع والتأثير فيه.

ولا يجمل بمسلم يرى مريضًا يستطيع أن يقدم له العلاج عن طريق مستوصف شعبي، أو مستشفى خيري، فيرفض ذلك حتى تقوم الدولة الإسلامية، فتتولى هي علاج المرضى!

ولا يحسسن بمسلم يرى الفقراء والأرامل والعاجزين، وهو قادر على أن يعاونهم بإنشاء صندوق للزكاة، يأخذها من الأغنياء ليردها إلى الفقراء، فلا يفعل حتى تقوم الدولة المسلمة، فتقوم هي بهذا الدور، عن طريق تكافل اجتماعي شامل.

ولا يليق بمسلم يرى الناس من حوله يختصمون ويقتتلون، فيقف متفرجًا، ونار الخصومة تأكل أخضرهم ويابسهم، منتظرًا قيام الدولة الإسلامية، لتصلح بين الناس بالقسط، وتقاتل الفئة التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله.

إنما الذي يليق بالمسلم أن يقاوم الشر ما أمكنه، ويفعل الخير ما استطاع، ولا يقف مكتوف اليدين، وفي قدرته أن يعمل مثقال ذرة من خير، والله تعالى يقول: (( فاتّقوا الله ما استطعتم ) ) (التغابن: 16 ) . ولقد ضربت مثلا للدولة المسلمة المنشودة بأشجار الزيتون والنخيل تغرس في بستان، لا ينتظر أن تؤتي ثمارها إلا بعد سنين، فهل يقف صاحب البستان بلا عمل يعمله، ولا ثمرة يقطفها، حتى يثمر النخيل والزيتون؟ كلا، إنه يزرع من الخضروات والزروع ما هو أسرع نتاجًا وأقرب ثمرة، وبذلك يخصب أرضه، ويعمر وقته، ويشغل نفسه بما ينفعه وينفع من حوله، وفي الوقت ذاته يتعهد زيتونه ونخله بالرعاية حتى يأتي أوان حصاده بعد حين.

أحسنوا الظن بالمسلمين

وأنصح أبنائي الشباب ـ سادسًا وأخيرًا ـ أن يخلعوا منظارهم الأسود، عندما ينظرون إلى الناس، وأن يفترضوا الخير في عباد الله، ويقدموا حسن الظن، وأن يعلموا أن الأصل هو البراءة، وحمل حال أهل الإسلام على الخير.

ومما يساعد على هذا السلوك المتفائل نظرات ثلاث:

الأولى: أن يعاملوا الناس باعتبارهم بشرًا على الأرض، وليسوا ملائكة أولي أجنحة، فهم لم يخلقوا من نور، وإنما خلقوا من حمأ مسنون، فإذا أخطأوا فكل بني آدم خطاء، وإذا أذنبوا فقد أذنب أبوهم الأول: (( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا ) )

(طه: 115 ) .

فلا غرابة إذن أن يعثر الناس وينهضوا، وأن يخطئوا ويصيبوا، وعلينا أن نفتح لهم باب الأمل في عفو الله ومغفرته، بجوار تخويفهم من عقاب الله وبأسه، فالعالم كل العالم من لم يوئس عباد الله من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، وحسبنا هنا قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعًا. إنّه هو الغفور الرّحيم ) ) (الزمر: 53 ) . فانظر إلى إيناسه سبحانه لهم، حين ناداهم"يا عبادي"وأضافهم إلى ذاته المقدسة، تلطفًا بهم، وتقريبًا لهم من ساحته، ثم كيف فتح باب المغفرة على مصراعيه لكل الذنوب، فإنها مهما عظمت فعفو الله أعظم منها.

الثانية: أننا أمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن ندع إلى الله أمر السرائر، فمن شهد أن"لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله"حكمنا بإسلامه، في ظاهر الأمر، وتركنا سريرته إلى علاّم الغيوب، يحاسبه عليها يوم تظهر الخفايا، وتنكشف الخبايا، وفي الصحيح"أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها، وحسابهم على الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت