ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين ـ الذين يعلم نفاقهم الباطن ـ حسب ظواهر هم، وأجرى عليهم أحكام الإسلام ، وهم يكيدون له في الخفاء، ولما اقترح عليه بعض الناس أن يقتلهم ويستريح من شرهم ومكرهم، أجابهم بقوله:"أخشى أن يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه!".
الثالثة: أن كل من آمن بالله ورسوله، لا يخلو من خير في أعماقه، وإن انغمس ظاهره في المعاصي، وتورط في الكبائر. والمعاصي ـ وإن كبرت ـ تخدش الإيمان وتنقص منه، ولكنها لا تقتلعه أبدًا من جذوره، ما لم يفعلها من يفعلها متحديًا لسلطان الله تعالى، أو مستحلًا لحرماته، ومستخفًا بأمره ونهيه.
وأسوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان أرفق النّاس بالعصاة، ولا تمنعه معصية أحدهم أن يفتح له قلبه، وينظر له نظرة الطبيب إلى المريض، وليس نظرة الشرطي إلى المجرم.
"جاء فتى من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الزنى، فثار الصحابة وهموا به، لجرأته على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وقف منه موقفًا آخر: قال: ادنُه. . فدنا، فقال: أتحبّه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك! قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، ثم قال له مثل ذلك في ابنته وأخته وعمته وخالته.. في كل ذلك يقول: أتحبه لكذا؟ فيقول: لا والله، جعلني الله فداك، فيقول صلى الله عليه وسلم: ولا الناس يحبونه .. فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصن فرجه.. فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء" (رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، كما في مجمع الزوائد: 1/129 ) ، وإنما عامله صلى الله عليه وسلم بهذا الرفق، تحسينًا للظن به، وأن الخير كامن فيه، والشر طارئ عليه، فلم يزل يحاوره حتى اقتنع عقله، واطمأن قلبه إلى خبث الزنى وفحشه، وكسب مع ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .
قد يقال: هذا رجل لم يقترف المعصية بعد، فهو أهل أن يعامل بالرفق والملاينة، بدل الفظاظة والمخاشنة.
فإليك هذا المثل، وهو تلك المرأة الغامدية التي زنت، وهي محصنة، وحملت من الزنى، وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطهرها بإقامة الحد عليها، فما زالت به حتى أقام عليها الحد، ولمما بدرت من خالد بن الوليد جملة فيها سبها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أتسبها يا خالد؟ والله لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين بيتًا من أهل المدينة لوسعتهم! وهل ترى أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟" (رواه مسلم وغيره ) .
قد يقال: هذه عصت، ولكنها تابت..
فإليك هذا المثل الأخر:
هذا الصحابي الذي ابتلي بالخمر وأدمنها، وأتي به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة شاربًا، فيضرب ويعاقب، ثم يغلبه إدمانه أو شيطانه، فيعود إلى الشرب، ثم يؤتى به، فيضرب ويعاقب.. وهكذا عدة مرات، حتى قال بعض الصحابة يومًا، وقد جيء به شاربًا: ما له لعنه الله؟ ما أكثر ما يؤتى به!
وهنا لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم على لعن هذا المسلم، رغم مقارفته لأم الخبائت، وظهور إصراره عليها وإدمانه لها، وقال للاعنه: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.
وفي رواية: لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم!
فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذا القلب الكبير كيف وسع هذا الإنسان وأحسن به الظن، رغم تلطخه بالإثم! وكيف لمح كوامن الخير في أعماقه، برغم ظواهر الشر على غلافه! فوصفه بأنه"يحب الله ورسوله"ولهذا نهى عن لعنه، لأن هذا يحدث فجوة بينه وبين إخوانه المؤمنين، فيبتعد عنهم، ويبتعدون عنه، وهنا يقترب منه الشيطان، وهذا من أسرار قوله"لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم"ولم يفصم عروة الأخوة بينه وبينهم، بسبب المعصية، وهي كبيرة تكررت، لأن أصل الإسلام يجمعهم به، ويجمعه بهم.
فليفقه هذه النظرة النبوية العميقة، وهذه التربية المحمدية العالية، أولئك الذين يسيئون الظن بجمهور الناس، ويسقطون عصاتهم من الحساب، وليتعلم من هذا الدرس المنزلقون إلى بدعة التكفير بالمعاصي، فلو فقهوا وتأملوا، لعلموا أن الذين يكفرونهم ليسوا مرتدين يجب أن يقتلوا، بل جاهلين بحقيقة الدين يجب أن يعلموا، أو متورطين في المعصية بتأثير صحبة السوء وبيئة السوء يجب أن ينقذوا، أو غافلين عن الآخرة بمشاغل الدنيا يجب أن ينبهوا ويذكروا، والذكرى تنفع المؤمنين.
إن لعن الناس ولو كانوا عصاة منحرفين، لا يصلحهم ولا يقربهم من الخير، بل هو أحرى أن يبعدهم عنه، وأولى من هذا الموقف السلبي أن تتقدم من أخيك العاصي، فتدعوه أو تدعو له، ولا تدعه فريسة للشيطان.. وقد قال الحكيم: بدل أن تلعن الظلام أضئ شمعة تنير الطريق!
هذا ما أردت أن أنصح به لأبنائي من شباب الإسلام المتوقد، الذين أكن في قلبي أعمق الحب لهم، وأعظم الاشفاق عليهم، ولا أقول إلا ما قال خطيب الأنبياء، شعيب عليه السلام: (( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أُنيب ) ) (هود: 88 ) .