فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة فقلت له: ما أنت ؟ قال:"أنا نبي"فقلت: ومانبي ؟ قال:"أرسلني الله"فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال:"أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لايشرك به شيء"قلت له: فمن معك على هذا ؟ قال:"حر وعبد"قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به فقلت: إني متبعك . قال:"إنك لاتستطيع ذلك يومك هذا , ألا ترى حالي وحال الناس ؟ ولكن ارجع إلى أهلك , فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني".
قال فذهبت إلى أهلي , وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة , وكنت في أهلي , فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة , حتى قدم عليَّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة , فقلت: مافعل هذا الرجل الذي قدم المدينة ؟ فقالوا: الناس إليه سِرَاعٌ . وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك .
فقدمت المدينة فدخلت عليه , فقلت: يارسول الله ! أتعرفني ؟ قال:"نعم . أنت الذي لقيتني بمكة؟".
وذكر بقية الحديث وفيه أنه سأله عن الصلاة والوضوء ( [3] ) .
ففي هذا الخبر موقف يذكر لعمرو بن عبسة حيث آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في أوائل دعوة الإسلام وفي حال قلة المسلمين وكثرة أعدائهم , ولم يقتصر على ذلك , بل أبدى رغبته في مصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم والبقاء معه في ذلك الظرف العصيب , ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل منه إسلامه , وأبان له بأنه لايستطيع أن يتحمل مشقة الصحبة والاتباع في ذلك الوقت , لما سيتعرض له من الأذى الشديد على يد الكفار ولكون النبي صلى الله عليه وسلم لايستطيع حمايته .
وقد جاء في هذا الخبر أن عمرو بن عبسة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام بعد أن علم بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال: وبأي شيء أرسلك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لايشرك به شيء"وفي هذا دليل على أهمية صلة الأرحام حيث كان هذا الخلق العظيم من أوليات دعوة الإسلام , مع اقترانه بالدعوة إلى التوحيد .
وقد ظهر في هذا البيان الهجوم على الأوثان بقوة مع أنها كانت أقدس شيء عند العرب , وفي هذا دلالة على أهمية إزالة معالم الجاهلية , وأن دعوة التوحيد لاتستقر ولاتنتشر إلابزوال هذه المعالم .
وفي اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم المبكر بإزالة الأوثان مع عدم قدرته على تنفيذ ذلك في ذلك الوقت دلالة على أن أمور الدين لايجوز تأخير بيانها للناس بحجة عدم القدرة على تطبيقها , فالذين يبينون للناس من أمور الدين مايستطيعون تطبيقه بسهولة وأمن , ويحجمون عن بيان أمور الدين التي يحتاج تطبيقها إلى شيء من المواجهة والجهاد .. هؤلاء دعوتهم ناقصة , ولم يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي واجه الجاهلية وطغاتها وهو في قلة من أنصاره , والسيادة في بلده لأعدائه .
وجاء في هذا الخبر أن عمرو بن عبسة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أتباعه فقال"حر وعبد"وقد فسر ذلك عمرو بأن المراد أبو بكر وبلال, وهذا يحتمل أمرين:
الأول: أن الكلام على ظاهره وأنه لم يسلم في ذلك الوقت خارج بيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وبلال, وبناء على ماسبق من أن أبا بكر هو أول من أسلم يكون بلال ثاني رجل أسلم خارج البيت النبوي .
الثاني: أن هناك مسلمين آخرين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخفى ذكرهم لكونهم يخفون إسلامهم عن قومهم, بينما كان أبو بكر ظاهر الإسلام , وبلال قد ظهر إسلامه , فذكرهما لكونهما لايتضرران بهذا الذكر , وهذا هو الظاهر لأن عمرو بن عبسة علم عن الإسلام وهو في بلاده , وظهور الإسلام خارج مكة وعلم القبائل به كان بعد الجهر بالدعوة بينما كان المسلمون الأوائل قد دخلوا في الإسلام قبل الجهر بالدعوة كما سبق في إسلام الخمسة على يد أبي بكر .
ومما يدل على تأخر وفادة عمرو بن عبسة قوله في وصف النبي صلى الله عليه وسلم"جُرءاء عليه قومه", وقول النبي صلى الله عليه وسلم"ألا ترى حالي وحال الناس؟"فهذا يدل على أن وفادته كانت بعد حدوث الخلاف والعداء من المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك بعد أن جهر بنقد الجاهلية التي كان عليها قومه , وهذا النقد كان بعد الجهر بالدعوة , بل إنه قد جاء في هذا الخبر التصريح بكسر الأوثان وهذا كان بعد الجهر بالدعوة .
( [1] ) سيرة ابن هشام 1/261 , وتاريخ الإسلام للذهبي 1/147 .
( [2] ) دلائل النبوة للبيهقي 2/172 , وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من هذا الطريق وذكر مثله - المستدرك 3/248 .
وذكره الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي بإسناده - البداية والنهاية 3/248 .
( [3] ) صحيح مسلم 569 رقم 832 , كتاب صلاة المسافرين