فهرس الكتاب

الصفحة 26961 من 27345

ب - تقسيم الظواهر موضع البحث إلى أصغر أجزاء ممكنة. إن من الصعب ومن غير الموضوعي أن تقول: إن التعليم لدينا ينتقل من سيئ إلى أسوأ، أو من حسن إلى أحسن؛ إذ إن هذا الحكم يشمل عشرات الألوف من المدارس والمؤسسات التعليمية. وإذا نظرنا بتأمل إلى واقع المدارس، فإننا سنجد قطعًا أن بعضها يقدم تعليمًا متميزًا جدًا، ربما كان أفضل مما تقدمه المدارس المناظرة في العديد من الدول المتقدمة. كما أننا سنجد أن بعضها يسيء إلى عقول الطلاب ونفوسهم أكثر مما تفعله مدارس مناظرة في الكثير من دول العالم. لكن السؤال الذي يُطرح بعد هذا هو: ما الذي يمنح للتعليم في هذا البلد مسحته العامة أو وضعه الطبيعي: أهي المدارس السيئة أم الممتازة؟ وما الذي يشكل الشاذة والاستثنائي؟ وللإجابة عن هذا السؤال فإنه لا مناص من الخوض في التفاصيل والقيام بإجراء المسوح والدراسات المساعدة.

إن الإنسان يصدر دائمًا عن رؤية محدودة وجزئية، وإن الإحصاء المنهجي هو الذي يحول دون الفرق في ذلك.

جـ - المقارنة مساعد آخر على كشف المطِّرد من الشاذ والمستثنى من المستثنى منه. يمكن لنا حتى نتعرف على الوضعية الحقيقية لمؤسسة أو جماعة أو هيئة... أن نقوم بمقارنتها بنظيراتها المعاصرة، أو التي كانت موجودة في مرحلة تاريخية معينة. ولكن علينا أن نحذر في هذا السياق من المقارنات الخاطئة؛ إذ تعوّد كثير من الناس أن يقارنوا أشياء بأشياء لا تناظرها ولا تماثلها. من خلال المقارنة نصل إلى بعض التحديد، ونوفر أساسًا لإصدار الأحكام. إن مقارنة الأشياء المحسوسة بأخرى مثلها تأتي بنتائج واضحة؛ لأن الأسس التي تقوم عليها المقارنة تكون محددة بشكل جيد؛ فنحن اليوم نقارن مثلاً بسهولة الناتج القومي لأي بلد إسلامي مع أي بلد آخر، ونحصل على نتائج ذات مغزى، وذلك لأن حساب الناتج يقوم على أساس متّفق عليه، وهو جمع قيم السلع والخدمات التي ينتجها القطر، وتقسيم حاصل الجمع على عدد السكان، لكن من الصعب أن نقارن مقارنة جيدة بين الناتج الأدبي والدعوي والتربوي لجماعة إسلامية وجماعة مسيحية. يمكن -بالطبع- أن نقارن تنظيم إحداها بتنظيم الأخرى، أو نقارن الإتقان في الأداء أو سرعة الحركة لمعالجة الأخطاء.

2-الخطاب الوعظي والتعليم التلقيني مسؤولان إلى حد بعيد عن تشكيل (التفكير الحدِّي) الذي يطرب للمطلقات والكلمات الكبيرة، وينفر من التقييد والاستثناء والاستدراك. إن كلاً من الواعظ والمعلم الملقِّن يظن أن مَن أمامه غير صالح للنقاش والحوار، وغير صالح لاستيعاب التفاصيل؛ كما أن الرغبة الجامحة في خروج المتلقي بشيء محدّد وصارم تدفع في اتجاه تناسي الشذوذات -والتي قد تشكل ظواهر كبرى- والإعراض عن الاستثناءات.

أما الخطاب المشوب بالنقد والحرص على بيان العلل والأسباب وكشف العلاقات فإنه يساعد على بناء العقل المركّب القادر على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة، وعلى مستويات متباينة، ومن شأن التعليم القائم على الحوار والتساؤل والاستنتاج إشاعة ثقافة تهمّش الاستبداد الفكري، وتحبّذ البحث والتأمل والاهتمام بالمستثنى والمهمل والمنزوي.

3-سيظل للخطاب الحدِّي العاطفي الجانح إلى التعميم و (البيع بالجملة) تأثير واسع في الجماهير العريضة، وسيظل كل ما يخرج عن القواعد العامة مصدرًا للمضايقة، ما لم يرتقِ المستوى المعرفي للناس، وما لم تنتشر فيهم المفاهيم الدقيقة والمعبِّرة عن حساسية فكرية عالية. إن أصحاب الثقافة الشفهية يعتمدون على الذاكرة في حفظ ما يحصلون عليه من معرفة، ولهذا فإنهم يميلون إلى المختصرات والعبارات المقننة خوفًا من النسيان. مع التبحّر في المعرفة وانتشار الثقافة الكتابية تنفتح شهية الناس إلى الشرح والتوضيح والتفاصيل المملّة. وإلى أن يحدث هذا لدى الجماهير المسلمة، فإن علينا مراقبة تعبيراتنا ونشر وعي جديد بأهمية (لكن وأخواتها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت