3-الرؤية السطحية تتشكل من مجموعة كبيرة من المسلمات والمقولات البسيطة والمستعجلة وذات الطابع الشخصي. أما الرؤية المتعمقة المدققة فهي رؤية مركبة. والرؤية المركبة هي رؤية تفصيلية بامتياز، والمتأمل في الذكر الحكيم يجد توجيهًا قويًا نحو تعميم هذه الرؤية وترسيخها في العقلية الإسلامية. وهذا التوجه يتجلّى تارة في الاستثناء، وتارة في إطلاق تعبيرات غير حاسمة، وتارة في تعبيرات تؤسس إلى المحاسبة والاحتزاز من التعميم والشمول. وهذه بعض النماذج لما يدل على ذلك. يقول الله -سبحانه-: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [سورة العصر] . وقد تلقى الوعي الإسلامي الاستثناء في هذه السورة على أنه محورها والمقصود الأكبر منها؛ حيث إننا نستشهد بها في معظم الأحيان للدلالة على الأهمية الكبرى للتواصي بلزوم الحق والصبر. ويقول -جل وعلا-: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً) [آل عمران: 75] . إن أهل الكتاب متفاوتون في أمانتهم، كما أنهم متفاوتون في صدقهم وفي درجات انحرافهم، وفي مدى عداوتهم للمسلمين. والرؤية التفصيلية هنا تحرضنا على أن ننظم تجاههم ردود أفعال مختلفة، ونتوقع منهم مواقف وسلوكات متباينة. وفي هذا نفع ومصلحة للجميع. ويقول سبحانه: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: 103] . وقال: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13] . مهما بذلنا من الجهود الدعوية، ومهما كانت الغلبة للمسلمين في الأرض فإن أهل ملة الإسلام سيظلون أقلية، وهذا تشهد به كل مراحل التاريخ، وهذا ما يشهد به الواقع المعيش. وهذا الشأن في الشاكرين القائمين بحقوق النعمة. إننا لا نستطيع تعميم حكم الإيمان أو الكفر أو الشكر أو الاستقامة في أي عصر من العصور. وعلينا قبل إصدار الأحكام أن ندقق ونتحقق. ثم إن جهود الأمة المسلمة بناء على هذا استهدف زيادة عدد المؤمنين والشاكرين وتقليل أعداد الكافرين والجاحدين، ليس أكثر من ذلك. والانطلاق من هذا المقصد يعرض علينا التحلّي ببعض الأخلاق والآداب، واستخدام بعض الوسائل الخاصة وللحديث صلة.
ولكن ... (2)
د. عبد الكريم بكار 29/10/1426
ذكرت في الحلقة السابقة الاهتمام بمسألة التفصيل والاستثناء والاستدراك في الخطاب الإسلامي، وأنه يعبر عن نوع من اتساع الرؤية وتقدّم الخبرة. وسأكمل هذا الموضوع اليوم عبر المفردات الآتية:
1-حين نتحدث عن ظواهر كبرى أو أوضاع عامة، فإن المشكلة التي قد تواجهنا كثيرًا ما تتمثل في تحديد المستثنى والمستثنى منه أو الخط العام، وما هو شاذ عنه أو دخيل عليه: هل الأمة الآن في حالة صحوة، يتخللها بعض الإشكالات والسلبيات؟ أو أن الأمة في غفوة على الرغم مما نشاهده من بعض الإشراقات والمبشِّرات والإنجازات؟ هل أوضاعنا تسير نحو الأحسن أو أنها تسير نحو الأسوأ؟
عشرات الأسئلة التي نطلقها هنا وهناك من أجل توفير نقطة ارتكاز للفهم أو توفير مدخل للوعي. ويكون الجواب في معظم الأحيان متعددًا ومتباينًا. وحين يصل الأمر إلى هذا الحد من التشويش فإن كل أشكال البحث والنقاش تصبح من غير معنى، ومن غير جدوى، كيف يكون في إمكاننا التغلب على هذه المشكلة والصيرورة إلى درجة من الوضوح تسمح بالمعالجة الجيدة؟
في اعتقادي أن الوصول إلى وضعية متألقة ينقطع معها الجدل، ليس في حيز الممكن؛ لأسباب معروفة، لكن يمكن أن نحصل على شيء جيد إذا خطونا الخطوات الآتية:
أ - تحديد التعريفات والمصطلحات المراد استخدامها في عملية (التقييم) ، ومحاولة الاتفاق عليها قدر الإمكان. وأذكر في هذا السياق أنني طالما سمعت من الشباب الغيور الخيّر من يقول: متى النصر؟ متى نرى رايات الإسلام خفاقة في كل مكان؟
وأذكر أنني في إحدى المرات ردَدْت على سؤال أحدهم بسؤال جديد، هو: ما الذي تعنيه بالنصر؟ هناك نصر عسكري، وهناك نصر سياسي وآخر تربوي ورابع تعليمي وخامس اقتصادي.... فعن أيّ نصر تسأل؟ ولم يجد ذلك الشاب ما يجيب به.
حين يقول قائل: ما أسباب سقوط العالم الإسلامي اليوم؟ فلنقل قبل أن نتحدث عن أسباب السقوط: ما المقصود بالسقوط؟ وما المكان الشاهق الذي كانت تحتله الأمة في المجالات التي أشرنا إليها؟ وما الشواهد والإحصاءات التي تدل على تراجع الأمة في كل ذلك؟
لو أننا اتخذنا هذا المنهج في تناول الأشياء، فسوف نجد أن معظم الناس يتحدثون عن أشياء كثيرة, لا يعرفون عنها إلا القليل. وكثير من الناس يقول ما يقوله من باب التقليد بعيدًا عن أي مناقشة أو محاكمة!