وهذا كلّه على اختيار أنّ قوله تعالى {في الحياة الدنيا} متعلّقٌ بقوله سبحانه {يُعجبك} ، أيّ أنّك تستحسن قوله ما دام في هذه الدنيا، لأنّه لا يصدر منه إلا القول الحسن، فهو يتكلّم بما يوافق ما عندكم من الحقّ والخير. وقال بعض أهل العلم: إنّ قوله تعالى: {في الحياة الدنيا} متعلّق بقوله {قوله} أي أنّه يتقن الكلام فيما هو من شأن الدنيا. والذي أراه -والله أعلم- أنّ القول الأوّل هو الصواب، فإنّ إعجاب المؤمن بكلام المرء لا يكون إلاّ حين يتكلّم المرء بكلام الدين والحقّ، وأمّا كلام الدنيا فليس هو معيار الإعجاب عند المؤمن، ثمّ إنّ مراد الآيات هو بيان مخالفة كلام المرء بقوله الحسن مع فعله القبيح -وهو الإفساد في الأرض.
2- {ويشهد الله على ما في قلبه} : إنّ أوّل ما يخطر على بالك عند هذه الكلمات أن تسأل: لماذا يسارع المجرم والمُبطِل -غالبًا- إلى نقل الموضوع الذي يدور حوله الخلاف إلى المنطقة الخطأ؟ ولماذا يحاول المبطل -غالبًا- التنبيه على ما يمكن أن يتّهم به لقرائن الحال؟!
فههنا رجل لو كَشَفَ الله تعالى عن قبله لرآه الناس من أقبح القلوب وأشنعها، ولأبصروا فيه أفاعي الشرّ وعقارب السوء، وهوام الحسد والحقد، وغيلان الزور والكذب، وهو مع ذلك يستهتر بربّه، وقد جعله من أهون الناظرين إليه، فالحديث معه يدور حول فعله القبيح -الإفساد في الأرض- فلماذا ينقله إلى أمر لا يمكن الاطلاع عليه على الحقيقة إلا من خلال هذا الظاهر، والقصد أنّ نقل الحوار والمناقشة إلى هذه المنطقة من الحديث هو نقل تعسُّفيّ يُراد منه إدخال الناس في الحوار الخطأ وصرف النظر عن القضيّة المهمّة، وهي: لماذا تُفسد في الأرض؟ فهي تحذير لنا أن لا نقبل من القول إلاّ ما احتفت به الأدلّة، وأن نحذر الحوار فيما لا يمكن البحث في حقيقته.
ولماذا يحلف بالله على صدق ما في قلبه وحسن نيّته؟! وهل ثمّة أحد سأله عن هذا؟
أهو تطبيقٌ للمثل القائل: يكاد المجرم أن يقول خذوني؟
أم هي قاعدة: لا بدّ للمجرم أن يعود إلى مكان جريمته؟
أم هو هاجس الكذب وقلقه على النفس، فيبقيه شاعرًا بمعرفة كلّ الناس له مع استحضار عاقبة الخيبة والخسران؟
إنّ هذه الآيات بمقدار ما تفضح الأيمان الكاذبة، بمقدار ما تنفّرك وتقزّزك من هذا السمت والنمط، فهي تبيّن أن جريمته الأولى ليست خصومتهم مع المسلمين، وإنّما هي جريمة أخرى تسبق ذلك، إنّها جريمةٌ تقع منهم تجاه ربّهم وخالقهم، فانظر إلى استهتارهم بنظر الله إليهم، وبهوان مراقبة الله لقلوبهم، فهم يحلفون بالله ويشهدونه عما في قلوبهم دون خجل أو حياء، أفمثل هؤلاء الذين لا يُقيمون رأسًا لنظر الله إليهم يمكن أن يطمع المرء العاقل أن يقيموا رأسا ًلنظر الناس إليهم؟!!
والآية لا تبيّن لنا ماذا يشهد هذا المنافقُ ربَه على ما قلبه، بل تركها الربّ لنا مفتوحة لأنّ هذا الترك هو قمّة الامتلاء، فإنّ هناك العديد والآلاف من الصور التي يمكن للمرء أن يملأها من واقعه، فهي دعوة لنا أن نملأها بالصور التي نراها وتعيش بيننا.
فإذًا هو: {يعجبك قوله في الحياة الدنيا} و {ويشهد الله على ما في قلبه} . هذا هو شقّ المعادلة الأوّل. لكن ما هي حقيقة هذا المدّعي؟ وأيّ صنفٍ من الناس هو؟ هذا ما أراد القرآن بيانه. وممّا يستوقفك هنا أنّ هذه المقدّمة تجعلك تسير سيرًا حسنًا مع الموصوف وكأنّك في راحةٍ من حاله ووضعه، فقوله حسن تَعْجب له، وأيمانه مُغلَّظة أنّه صادقٌ محسن، ولكن ما يأتي يجابهك بصدمة تعادل صدمتك بما تراه من واقع الموصوف، وهي صفة لازمة لهذا القرآن العزيز أنّ مراد الربّ في كلامه معروض مع حركة الكلام الإلهي. فههنا مقدّمة تريحك وتبعث في نفسك الراحة والاطمئنان، ولكنّها تريحك لتكون الصدمة القادمة والعاصفة الآتية أكثر تأثيرًا على نفسك. فكان بعد ذلك أن قال: {وهو ألدّ الخصام} ، وكلمة"ألدّ"تقطع النَفَس الذي انساب قبل قليل مرتاحًا مع قوله سبحانه وتعالى {ومن الناس...} . فهي كلمات تتأنّى في قراءتها وكأنّك تسير مع سهل منبسط تحت قدميك، ولكن للحظة مفاجئة تأتي الهزّة: {وهو ألدّ..} إنّها نفس الحالة الواقعية في تعامل المسلم الموحّد مع هذا الصنف من البشر. فتذكّر هذا مع كلّ آيات الكتاب تراه جليًّا واضحًا، وتذكّرها فيما يأتي من قوله سبحانه: {ولبئس المهاد} . فكلمة المهاد تبعث على الراحة والهناء، ولكن ما قبلها يرفع هذا المعنى إلى ضدّه {ولبئس} فكأنّك مع فراش وثير في ظاهره ولكن حقيقته الشقاء والتعب، إنّه نفس الخداع الحاصل من حال هؤلاء المنافقين -الظاهر شيءٌ والباطن شيءٌ آخر-. فتذكّر هذا مع القرآن ولا تنساه.
إنّه {وهو ألدّ الخصام} ، هذه أوّل علامة من العلامات الدالّة على قبح صورته الحقيقية من غير تزوير وتخييل، عوج المجادلة فلا يستقيم على حقّ في خصومة، واللدّ في اللغة: شدّة الخصومة وعوجها، فهولا يخضع لحقّ ولا يقبل دليلًا ولو أتيته بملء الأرض حججًا.