3-اعتقاد كثير من الشباب بوجود مؤامرة ضخمة وصريحة وعامة، يشارك فيها الداخل والخارج -دفع دفعًا قويًا في اتجاه الغلوّ. ومن السهل تكفير حاكم ثبت أنه يضرّ بمصالح المسلمين عمدًا لصالح الكافر الأجنبيّ حبًا فيه وولاءً له، وهذا ما يعتقده كثير من الغُلاة، وهو يعبّر عن جهل عريض بطبائع الأشياء، وعن جهل عريض بطبيعة العمل السياسيّ وتعقيداته وموازناته.
4-الضغط الخارجيّ والهيمنة الأجنبيّة على بلاد المسلمين ومكتسباتهم وثرواتهم يجعل التوازن الفكريّ يختلّ لدى كثير من الناس -ولاسيما الشباب- فتجد الخانع التابع الخائف والباحث عن فرصة لإظهار ممالأته للأجنبيّ، وتجد الغالي الذي يريد تحرير العالم الإسلاميّ بأقصى سرعة وبكل وسيلة.
5-العُزلة وإنضاج الأفكار في الظلّ بعيدًا عن أجواء المناظرة والحوار والجهر بالدعوة، وإذا تأمّلنا في تاريخ الدعوات المنحرفة؛ فإننا نجد أن السواد الأعظم منها نشأ، وترعرع تحت الأرض بعيدًا عن الأنظار، وإنّ ضرْب حظرٍ على الأنشطة السياسيّة والاجتماعيّة في كثير من البلدان الإسلاميّة، يدفع كثيرًا من الشباب إلى الاعتقاد بأن الطريق الوحيد المتبقّي لتحقيق أهدافهم في نُصرة الإسلام هو سلوك طريق العنف والقتال.
ممارسة الأنشطة الدّعويّة والاجتماعيّة والسياسيّة تُبقي باب الأمل للإصلاح مفتوحًا؛ ولذا فإن المجتمعات المفتوحة تكون معاناتها من الغلوّ أقل من غيرها.
6-المثاليّة والنظر إلى الأمور بعيدًا عن الواقع: إن كثيرًا من المُغالين لا يرون إلا جزءًا من الصورة، وهو تراجع مستوى حكام المسلمين عن المستوى الذي كان عليه حكام الأمة في صدر الإسلام، أو الذي كان عليه الصّفوة من حكام الأمة على مدار التاريخ الإسلاميّ. وهم لا ينظرون إلى التراجع الخطير الذي حدث على المستوى الشعبيّ العام. إنهم يريدون حُكْمًا راشديًا على شعوب بعيدة عن أخلاق الصحابة -رضوان الله عليهم- والتزامهم الصارم، ويذكّرني هذا بقوْل من قال لعلي -رضي الله عنه-:"إنك لا تسير فينا سيرة الشيخيْن: أبي بكر وعمر؟ . فقال: نعم. الشيخان كانا أميريْن على أمثالي، وأنا أمير على أمثالكم". وقال معاوية -رضي الله عنه- لابنه يزيد حين عيّنه وليًا للعهد: كيف ستسير في الناس بُعَيْدي؟ فقال: سأسير فيهم سيرة الشيخيْن: أبي بكر وعمر، فقال معاوية: حاولت فيهم سيرة عثمان فلم أستطع". حين تتجه السفينة نحو القاع فإن الماء يغمر كل أجزائها، وحين تراجع مستوى الالتزام في الأمة لم ينجُ منه إلا القليل، وفي بعض المجالات وليس في جميعها. إن كثيرًا ممن يحملون الفكر الغالي يملكون شعورًا مبالغًا فيه بالواجب، ويحمّلون أنفسهم تكاليف لم تحمّلهم إياها الشريعة الغرّاء؛ مما أدّى بهم إلى ركوب المركب الصعب، ثم أخذوا يحاولون جرّ غيرهم إلى ما صاروا إليه، ولو اقتضى ذلك تكفير المسلمين وحمل السلاح عليهم."
7-ثبت أن كثيرًا ممن تُمارَسُ القسوة في تربيتهم، تنشأ في نفوسهم أحقادٌ دفينة، وتميل طبيعتهم إلى القسوة، ويُظهرون قدرًا أقلَّ من التسامح مع المخالِفين، ومع الأفكار المباينة لأفكارهم.
8-استُخْدِم العنفُ الشديد ضدّ بعض الشباب، واستُخْدِمت أنواعٌ من التعذيب تمسّ الكرامة الإنسانيّة، وتؤكّد لهم أنه لا يُعقل أن يقوم بذلك أناس يخافون لقاء الله أو يؤمنون به. وهذا قدّم برهانًا قويًا للقائلين بالتكفير وبنظريّة المؤامرة.
9-لم يستطع كثير من الإعلاميّين، وكثير من المناوئين للشباب الذين يحملون أفكارًا غالية -أقول لم يستطع هؤلاء أن يظهروا بمظهر الخصْم الشريف؛ فألصقوا بهم أشياء لم يفعلوها، ونسبوا إليهم أقوالًا لم يقولوها، وبعضهم استغلّ موجة الهجوم على الغلوّ ليجعل من كلامه هجومًا على الإسلام، وهذا زاد في غلوّ الغالين، وأكّد لديهم صدق معتقداتهم في اتّهام الخصوم.
إننا هنا لا نسوّغ لأحد الغلوّ، ولا نقدّم عذرًا للغالين، ولكن نحاول فهم جذور هذه الظاهرة ومنطلقاتها.وأعتقد أن فتح أبواب الحِوار سيساعد كثيرًا في امتصاص هذه الظاهرة، وقد ثبت من تجربة بعض الحكومات العربيّة في هذا الشأن نجاعة التعامل باحترام وتقدير، وانفتاح وعقلانيّة ومصداقيّة مع حَمَلة الفكر الغالي. وهي تجربة قابلة للتّكرار