فهرس الكتاب

الصفحة 5729 من 27345

ويبدو أن الظواهر العلمية التي مسها القرآن الكريم هي من هذا القبيل ، إذ جاء بنهايات الحقائق والسنن الربانية ، وأتى بقمم النواميس المبثوثة بهذا الكون ، بحيث أنها إذا تليت على المؤمنين في ذلك الوقت مرت عليهم دون إدراك لمدلولها الذي سينكشف لمن بعدهم ، أما إذا تليت على الأجيال اللاحقة التي فتح الله عليها بصيصًا من أسرار هذا الكون عرفوا ما فيها من إعجاز ، وسلموا بأن هذا القول لا يمكن أن يتفوه به شخص عاش في عصر كانت العلوم التجريبية في أطوارها الأولى ـ أعني العصر الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم ـ ، فلابد أن يكون حق ، وأن قائله هو الله عز وجل (21) ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكفِ بربك أنه على كل شيء شهيد ) (22) .

ولكن هل هناك تعارض بين القرآن الكريم والعلم ؟ إن العلم المقصود هنا هو ما توصل إليه البشر من فَهْمٍ لبعض قوانين وسنن هذه الحياة بإلهام من الله تعالى (يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) (23) .

ومما لا مشاحة فيه أنه لا تصادم بين حقائق الكون والقرآن الكريم ، فالله هو الخالق لهذا الكون وهو في الوقت ذاته قائل هذا القرآن الحكيم ، وقد يكون تصادم حينما ندعي حقيقة علمية ـ وهي ليست حقيقة علمية ـ ونربطها بالقرآن ، أو نزعم حقيقة قرآنية ـ بسوء فهمنا للمقصود من آية أو آيات من القرآن ـ فنربطها ببعض الحقائق العلمية الثابتة (24) .

وكتاب الله كتاب عقيدة وهداية وأحكام ، وليس كتاب تاريخ أوفلك أوجغرافيا ، كما أنه لم يأتِ ليعلمنا الطب أو الكيمياء أو الفيزياء أو الأحياء ، ولكن هذا لا ينفي أن يشير إلى حقائق ثابتة تدخل ضمن نطاق العلوم السابقة وغيرها بقي الإنسان مئات السنين لا يعرف كنهها ، بل لم يستطع حتى الآن الوصول إلى بعضها ؛ فالقرآن ـ مثلًا ـ ليس كتاب طب بالمفهوم المتعارف عليه للطب إلا أن ذلك لا يمنع أن يمس قضية طبية ، ويخبر بدقائقها ، فلا يصل إليها علم الطب إلا بعد قرون . وقُل ذلك عن جميع العلوم الحديثة . فالقرآن ـ إذن ـ قد يمس حقائق الكون الأساسية التي خلق الله الوجود على أساسها فيعرضها كحقائق علمية سواء توصلنا إلى إدراكها أم لم نصل (25) .

تاريخ التفسير العلمي للقرآن الكريم

وقد يتساءل البعض عن التفسير العلمي للقرآن ، وهل كان ظهوره بدعًا في العصر الحديث ؟

في الحقيقة إن للتفسير العلمي جذورًا في تاريخنا الحضاري الإسلامي المجيد ، فليس هذا التفسير ببدع في العصر الحديث ، ونكاد نجزم أن هؤلاء المفسرين المحدثين وكذلك الذين أُولعوا بهذا الجانب من التفسير يتكئون على أصول سابقة . ذاك أنه عندما ازدهرت الحضارة الإسلامية في العصر العباسي ، وبرزت العديد من العلوم التجريبية ، وحاول بعض العلماء أن يوائم بينها وبين ما جاء في القرآن الكريم ، أو قُل أن يُوجد على الأقل بينهما بعض العلاقة .

كان أبو حامد الغزالى (ت 505هـ) ممن سلك هذا المسلك ، وحاول أن يروجه بين الأوساط العلمية (26) ، فيرى أن القرآن يحوي على العديد من العلوم (27) . كما أنه تحدث عن الكيفية التي انشعبت بها سائر العلوم من القرآن ، فيذكر أن الطب والنجوم والفلك والتشريح …الخ ، ثم يؤكد على أن العلوم التي عددها أو لم يعددها ليست أوائلها خارجة من القرآن ، ولكنها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى الذي لا ساحل له ، ثم أعطى بعض الأمثلة لما يقول ، منها قول الله عز وجل حكاية عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام (وإذا مرضت فهو يَشْفين ) (28) عقب على ذلك بأن هذا الفعل الواحد لا تحصل معرفته إلا لمن عرف الطب بكامله . وسار على هذا المنوال في بيان الطريقة التي يمكن بها معرفة ما جاء في القرآن الكريم عن الشمس والقمر ، وتركيب السماوات والأرض ، ومعرفة الإنسان وخلقه (29) …الخ .

وممن سلك هذا الدرب من المفسرين الأقدمين ، ولمح إلى مثل هذه الأمور أبو بكر بن العربي ( ت 543 هـ ) في كتابه (( قانون التأويل ) )، والفخر الرازي ( ت606 هـ ) في (( مفاتيح الغيب ) )، وأبو الفضل المرسي ( ت 655 هـ ) في تفسيره (30) .

على أن السيوطي ( ت 911هـ ) انطلاقًا من قوله تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (31)

وقوله ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء ) (32)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت