"لما تحول الواقدي من الجانب الغربي يقال: إنه حمل كتبه على عشرين ومئة وقر؛ وقيل: كان له ست مئة قمطر كتب". (9)
والنهضة الفكرية ، والإِقبال على العلم والثقافة كان عظيمًا ، مما جعل التنافس في اقتنَاء الكتب ، والمؤاجرة على نسخها أمرًا منقطع النظير، ولعل غير العلماء والمنتفعين رأوا الاتجاه في مجتمعهم ، فرأوا ألا يكونوا خارج الدائرة ، خاصة إذا كانوا موسرين، وبإمكانهم شراء كتب ثمينة ، ذات مظهر جميل ، يزينون بها بيوتهم ، ليرتفع قدرهم عند الناس ، وقصة الأندلسي الذي أخذ يساوم وَ يزايد في مجلد جميل فرفعه إلى سعر تعدى حدود المعقول ، فسأل العالم الذي كان يزايد في الطرف الآخر من السوق عن هذا الذي في الجانب الآخر ينافسه ، ولما عرفه قال له: إن كنت في حاجة إليه إلى هذا القدر فسوف أوقف المزايدة ، ولم أزد في السعر إلا لحاجتي إليه ، فقال الآخر إنني لا أقرأ ولا أكتب، وإنما رأيت أن هذا الكتاب بحجمه وتجليده ، يوافق مكانًا شاغرًا في رف خزنة كتب عندي ، فأردت أن أسد به هذه الثغرة ؛ ولما علم عن حاجة الآخر إليه أوقف المزايدة فيه .
ولهذا قال الشاعر منبّهًا الذي يجمعون الكتب، وهم كالحمار يحمل أسفارًا:
"من شعر سعيد بن المبارك المعروف بابن الدهان:"
لاتحسبنّ أن بالكتْ ــب مثلنا ستصير
فللدجاجة ريش لكنها لا تطير" (10) "
ولكن هؤلاء شواذ ، يغطون عن نقصهم بهذا المظهر الزائف ، ويكملونه بهذا التصنع المكشوف، الذي يسيء إليهم من حيث يظنون أنه يحسن ، ويضرهم من حيث يظنون أنه ينفع ، أما الكتب فقد ألفها مؤلفوها ، ونسخها ناسخوها ، لمن يقرؤون ، يمضون النهار في القراءة ، ويتبعونه بالليل على ضوء الشمع والسرج ، لايتركون دقيقة تمر دون أن يستفيدوا منها ، فهي إما للكتابة أو للقراءة ، أو للراحة استجمامًا، واستعدادًا للمعاودة؛ أفنوا أعمارهم في سبيل العلم ، وعشيت أبصارهم من أجله ، وكلما درسوا زادوا نهمًا ، وكلما تعلموا تطلعوا إلى وراء ما عرفوا ، لايرون لعلمهم سقفًا ، ولا لطلبه حدًا ؛ نذروا حياتهم للعلم ، وأوقفوها عليه ، وهنا بعض أمثلة تري إصرارهم، وأسباب ما وصلوا إليه من ذلك:
"حدث أبو هِفَّان قال:"
"لم أر قط ، ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ ، فإنه لم يقع في يده كتاب إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان ، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ، ويبيت فيها للنظر ."
والفتح بن خاقان ، فإنه كان يحضر لمجالسة المتوكل ، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابًا من كمه أو خفّه ، وقرأهُ في مجلس المتوكل إلى حين عوده إليه ، حتى في الخلاء .
وإسماعيل بن إسحق القاضي ، فإنى ما دخلت إليه إلا رأيته ينظر في كتاب ، أو يقلب كتابًا ، أو ينفضها". (11) "
لهذا ازدهر العلم في زمنهم ، واعتلى شأن الكتاب، فانتشر بينهم ، ودفعوا فيه أموالًا طائلة، وأوسعوا مكانًا فسيحًا له في بيوتهم وفي صدورهم، فارتقى عندهم ، وارتقوا هم عند أنفسهم ، واعتلوا على الشعوب الأخرى ، وفتحوا العالم ، فسطع نور العلم منهم إليه .
والغربيون اليوم أخذوا منا هذه العادة الحسنة بعدما أمتناها ، فأحيوها ، واستفادوا منها منتهى الاستفادة ؛ ترى الكتاب معهم في كل مكان ، يقرؤون في كل وقت ، فيقرؤونه في القطار، ويلتهمون صفحاته وقوفًا في الصف ، انتظارًا في"طابور"لأخذ تذاكر، وفي مظلةِ انتظار السيارة كتابهم في يدهم ، وفي معرض الطيران ، وفي سباق السيارات ، وفي ملاعب الكرة ؛ حتى إذا دخل أحدهم المطعم ، فإنه يقرأ انتظارًا للطعام، فإذا جاء الطعام فإنه لا يوقف القراءة ، فلقمة لِفَمِه ، ولقمة لعقله ، مثلما كان يفعل الفتح بن خاقان عندما ترك الخليفة المجلس لحاجة إلى أن عاد ؛ وارتفع الأوروبيون بهذا كما سبق أن ارتفعنا ، وأَمَتْنَا هذه العادة فتر دينا وهوينا .
لقد أدرك الطابعون والكتاب والناشرون أهمية هذا الاتجاه عند الناس في الغرب ، واعترفوا بهذا النهم للكتب ، فقدروه بأن قابلوه بما يشجعه ويعضده ، ويساعد الناس في هذا الاتجاه الخيِّر، فطبعوا طبعات"جيب"، يأخذها الشخص معه أينما ذهب ، وإلى أي جهة رحل ، مثلما فعل الفتح ابن خاقان بالكتاب الذي وضعه في كمه ، أو في ساق خفه ! فهل يعود الماء يومًا إلى مجراه ، ونرى الكتاب يعتز من جديد ، ويأخذ مكانه الحضاري اللائق به ، رغم الآفات المحيطة به ، من صحف ومجلات ، ومذياع وتليفزيون وفديو، وما أدراك مما لم يخرج من بيضة العجائب حتى الآن !!