ولم يكن الفتح بن خاقان هو الوحيد الذي يمكن أن يمثل الصورة الجميلة لطلب العلم والقراءة، وإنما هو نموذج واحد ، مثّل في هذه الحالة مثلًا واحدًا في هذا الجانب الثقافي المنير، وهناك جوانب أخرى كثيرة ، ولعلّ في المثل الآتي توضيحًا أمينًا لجانب آخر، فإذا كان الفتح مثل جانب الحرص في حمل الكتاب وقراءته عند أقرب فرصة تسنح له ، فإن الفقيه أبو الوليد في حديث له مع ابن حزم ، يحمل نغمة الاعتذار في التقصير في طلب العلم ، شعّ نورًا ساطعًا ، يرفع منزلته ويعلي قدره، لأنه يدل على كفاحه في طلب العلم إلى الحد الذي جعله يستعين في الليل بأبراج الحراس، يستفيد من نورها ، إذ لا يملك ما يوفر به لنفسه نورًا ؛ وفي رد ابن حزم ما عدل الكفة ، فإذا كان هذا كسب من هذا الطريق الصعب علمًا ، فإن ابن حزم أضاع العلم نتيجة الوجد والغنى .
وابن حزم كان بعيدًا عن حياض العلم ، نائيًا عن وردها ، إلى أن قيض الله حادثة نبهته ، وموقفًا أيقظه ، فارتشف من منهل العلم ما أروى ظمأه ، وعوضه خيرًا عما فاته:
قال لي الوزير أبو محمد بن العربي:
أخبرني الشيخ الإِمام أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أن سبب تعلمه الفقه أنه شهد جنازة لرجل كبير من إخوان أبيه ، فدخل المسجد قبل صلاة العصر، والخلق فيه، فجلس ولم يركع، فقال له أستاذه - يعني الذي رباه - بإشارة أن قم، فصلّ تحية المسجد ، فلم يفهم .
فقال له بعض المجاورين له: أبلغت هذا السن، ولاتعلم أن تحية المسجد واجبة؟ وكان قد بلغ حينئذ ستة وعشرين عامًا، قال: قال: فقمت وركعت، وفهمت إذن إشارة الأستاذ لي بذلك .
قال: فلما انصرفنا من الصلاة على الجنازة إلى المسجد مشاركة للاحبَاء من أقرباء الميت، دخلت المسجد، فبادرت بالركوع، فقيل لي: اجلس، اجلس، ليس هذا وقتَ صلاة .
فانصرفت عن الميت، وقد خزيت، ولحقني ما هانت عليّ به نفسي ، وقلت للأستاذ:"دُلَّني على دار الشيخ الفقيه ، المشاوَر أبي عبد الله بن دَحُّون، فدَلَّني فقصدته من ذلك المشهد. وأعلمته بما جرى فيه . وسألت الابتداء بقراءة العلم ، واسترشدته؛ فدلني على كتاب الموطأ لمالك بن أنس - رضي الله عنه - فبدأت به عليه قراءة من اليوم التالي لذلك اليوم ."
ثم تتابعت قراءتي عليه، وعلى غيره، نحو ثلاثة أعوام. وبدأت بالمناظرة..". (12) "
إن المحيط المليء بالعلم ، الذي عاش فيه ابن حزم، سرعان ما رده إلى حظيرته، وأغراه بالولوج فيها، فجاء منه ما جاء، وأصبح إمامًا يُقْتَدَى بآرائه، وصار له مدرسة منفردة متميزة ، لها مريدون ومعجبون .
ونعود مرة أخرى إلى الخط وتحسينه، والعناية به، وهو أمر لم يبدأ في العصر الأموي أو العباسي؛ ولكنه سبق ذلك ، ولعل من أقدم النصوص في هذا ما رُوِي عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ولا عجب في هذا فهو كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهمية عمله ، وانطلاقًا من تجربته يتوقع منه الإِرشاد للمبتدئين، ووضعهم على الطريق الصحيح فيه، ما داموا غضين، وفي أول الطريق:
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكاتبه عبيد الله ابن أبي رافع:"إذا كتبت فألن دواتك، وأطل من قلمك، وفرج بين السطور، وقارب بين الحروف". (13)
وهذه النصيحة تُحْتَفَظُ بقيمتها إلى اليوم، ومن راعاها سوف يجد أن الصفحة التي كتبها قد ابتسمت، والكلمات واضحة، وأصابع الذي كتبها في راحة لا يشوبها عناء. ولقد كانت النصيحة في محلها، ولا يعيب رئيس الدولة أن يدخل في مثل هذا التوجيه الجزئي، أو يهتم بهذا الأمر الجانبي، لأنه أول من سوف يعاني من أي خطأ يقع فيه الكاتب، وعلى كتفه سوف تقع آثامه، وعلى كتفه سوف يستقر عبؤه، وما أمر ما حدث لخطاب الخليفة سليمان بن عبد الملك من تحريف، وما نتج عنه من ضرر بسبب"نقطة"، هذا إذا صح الخبر، ولم يكن الفعل مقصودًا، وأن زَعْم التحريف ما هو إلا عذر:
"إن سليمان بن عبد الملك كتب إلى ابن حزم عامله على المدينة أن يحصي المخنثين الذين بالمدينة، بالحاء المهملة ، أي يعدهم، ليرى فيهم رأيه، فوقع للكاتب نقطة على الحاء، فصيرتها خاءًا، معجمة ."
فلما وصل الكتاب إلى ابن حزم خصاهم من ساعته .
ويقال: بل كتب إليه بخصائهم على الحقيقة، من غير إشكال، ولا تراجع في أمرهم". (14) "
ويعلق أبو الفرج الأصبهاني على الخبر بقوله:
"زعم موسى بن جعفر بن أبي كثير قال:"
أخبرني بعض الكتاب قال:
قرأت كتاب سليمان في الديوان: فرأيت على الخاء نقطة كتمرة العجوة .
قال: ومن لا يعلم يقول: إنه صحف القارئ، وكانت: (أحص) ". (15) "