فهرس الكتاب

الصفحة 6902 من 27345

وسواء وقع ما وقع بالتصحيف ، نتيجة عدم العناية بالخط ، ونقص حسنه وإتقانه ، أو لم يقع فإن احتمال وقوعه بسبب الخط يكفي لتصور فداحة الخطأ بسبب نقطة . وقد قيل مثل هذا عن الكلمة التي قيل إنها حرفت في خطاب عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى واليه بمصر، بأن"يقتل"القائمين عليه، بدلًا من كلمة"يقبل"وقد طُعِنَ في هذه القصة أيضًا، وقيل إنها مفتعلة ولم تحدث .

أما الإِشكال الذي يبدو أنه لايعتريه الخلل فهو ما رُوِي عن أثر سقوط النقطة من حرف ، أدى إلى تفسير مختلف ، عند واحد من العلماء ، حتى كاد يحرم ما أحل الله . وذلك عند ما قرأ عدم جواز"تشقيق الحطب"، والمقصود:"تشقيق الخُطَب"، بمعنى التكلف فيها والتشدق .

ولم يكن الخليفة علي بن طالب - رضي الله عنه - وحده من اهتم بتوجيه الكاتب وإرشاده ؛ بل هناك آخرون أيضًا ، ومنهم الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فقد كان له رأي ثمين أهداه إلى عماله ، لينقلوه إلى كتابهم ، مع نصبهم رقباء عليهم في التنفيذ:

"كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله:"

إذا كتبتم فَأَرِقُّوا الأقلام ، وأقلوا الكلام، واقتصروا على المعاني، وقاربوا بين الحروف ، تكتفوا من القراطيس بالقليل". (16) "

وقد التقى في خطابه هذا مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في المقاربة بين الحروف، وأعطى التعليل لذلك من منطلق التقوى، فهو لايريد أن يسرف الكتاب في الورق، ولا أن يتباهوا بالخطوط، وهمه صحة ما يكتب، وصواب ما يقال، مع دقة المعاني، وحسن جمالها لما حُملت .

هذا والخط الحسن يساعد على تدبر المعاني، وانصباب الذهن إليها بدلًا من اتجاهه لحل مغلق الخط ، ومعالجة رداءته، مما يشغل القارئ بالوسيلة عن الغاية، وهذا قلب للأوضاع، وتوجيه للأمر غير وجهته، ومما قيل في هذا:

"قالوا: الخَط الحسن يزيد الحق وضوحًا". (17)

وقد أعطوا أهمية لما يُكْتَب، لأنه لم يُكْتَب لوقت حاضر، وزمن محدد؛ بل كُتِبَ ليبقى، يجاهد الزمن، ويتخلل العصور، ويمر عبر الحقب؛ ويكون واضحًا مقبولًا في كل زمان، وقد قالوا عنه مقارنة بالقول الذي ينقطع بمجرد انتهاء قائله منه:

قال ابن القريّة:

خط القلم يقرأ بكل مكان، وفي كل زمان، ويترجم بكل لسان، ولفظ الإِنسان لايجاوز الآذان". (18) "

وإذا كان هذا رجع صدى اهتمامهم بالخط والكتابة ، فلأنهما الوسيلة الرئيسة لعرض الكتاب، والاستفادة منه الاستفادة الكاملة .

ولعل من المناسب أن نختم قولنا في مقالنا هذا بأبيات شعرية، تكشف نظرتهم للكتاب، وتقديرهم له:

"أنشد محمد بن زياد، المعروف بابن الأعرابي:"

لنا جلساء ما نملّ حديثهم

ألبّاء مأمونون غيبًا ومشهدًا

يفيدوننا من علمهم علم ما مضى

و عقلًا وتأديبًا ورأيا مسددًا

فلا فتنة تخشى و لا سوء عشرة

ولا يتقى منهم لسانًا ولا يدًا

فإن قلت: أموات فما أنت كاذب

وإن قلت: أحياءٌ فلست مفندًا" (19) "

الهوامش:

(1) معجم الأدباء: 15/35، ترجمة: علي بن محمد (أبو حيان التوحيدي) .

(2) معجم الأدباء: 15/123، ترجمة: علي بن هلال (ابن البواب) .

(3) معجم الأدباء: 15/124، ترجمة: علي بن هلال (ابن البواب)

(4) معجم الأدباء: 14/150، ترجمة: يحيى بن زياد الفراء.

(5) معجم الأدباء: 12/238، ترجمة: علي بن أحمد الفارسي.

(6) معجم الأدباء: 18/33، ترجمة: محمد بن جرير الطبري.

(7) معجم الأدباء: 18/42، ترجمة: محمد بن جرير الطبري.

(8) معجم الأدباء: 18/228، ترجمة: محمد بن عبد الواحد (المطرزالباوردي) .

(9) معجم الأدباء: 18/281، ترجمة: محمد بن واقد الواقدي.

(10) معجم الأدباء: 11/222، ترجمة: سعيد بن المبارك (ابن الدهان) .

(11) معجم الأدباء: 16/75، ترجمة: عمرو بن بحر الجاحظ.

(12) معجم الأدباء: 12/241، ترجمة: علي بن أحمد بن حزم الفارسي .

(13) بهجة المجالس: 1/356.

(14) تحفة العروس: 247، الديارات: 85، 87.

(15) الديارات: 85.

(16) بهجة المجالس: 1/157.

(17) بهجة المجالس: 1/357.

(18) بهجة المجالس: 1/357.

(19) معجم الأدباء: 18/195، ترجمة: محمد بن زياد (ابن الأعرابي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت