تلاحظون أن هذه الآيات، صياغتها معجزة في البساطة. أرأيت الذي ينهى..؛ يخبر الله جل وعلا عن واقعةٍ. روت بعض كتب الحديث وكتب السيرة إجمالًا، أن أبا جهل فرعون هذه الأمة -لعنه الله تعالى - لقي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يصلي فانتهره ونهاه عن الصلاة فأغلظ له النبي صلى الله عليه وسلم في المقال فقال أبو جهل للنبي عليه السلام:
يا محمد لِمَ تتوعدني وأنا أكثر أهل هذا الوادي ناديًا؟
فأنزل الله جل وعلا هؤلاء الآيات؛ هؤلاء الآيات معانيها عميقة، بالرغم من بساطة التعبير. تشترك حتى الصياغة، حتى أسلوب الأداء، يشترك في تأدية المعنى المراد لاحظوا، افتحوا أذهانكم. واقرؤوا:
)أريت الذي ينهى(؟.
هنا انتهت الآية وجاءت الآية الأخرى:
(عبدًا إذا صلى) .
ماذا نستنتج من قطع الكلام بقوله ينهى. انتهى الكلام عند ينهى انتهت الآية هنا، ثم جاءت الآية الأخرى (عبدًا إذا صلى) لاحظوا أننا ندرك جميعًا حينما نقول نهى فلانٌ فلانًا. عن أي شيء يكون النهي، النهي يكون عادة عن الفعل المنكر والقبيح.
أما عن المعروف من الأفعال، عن الخير عن البر، عن التقوى، ففي العادة، لا يكون ثمة نهي، وقفت الآية عند قوله (ينهى) ليأخذ الفكر استراحة يسحب فيها النفس ثم يهجم بعد ذلك ما هو هذا الشيء المنهي عنه؟ ينهى عبدًا إذا صلى.
يا سبحان الله هل إذا قام إنسان ببر وبمعروف وخير يستحق أن ينهى وأن يُقَّرعَ وأن يرد، لا ما هكذا عَهِدَ البشرُ ولا هكذا يتصرف العقلاء، فصياغة الآية بهذا الشكل ماذا أدت، أدت إلى تشنيع الصورة وتغليظ الأمر الذي قام به أبو جهل، ويقوم به من هم على شاكلة أبي جهل حين يكون ثمة نهي، فمن المعقول أن يكون النهي عن المنكر وعن القبيح، أما عن الطيب من الأفعال، وعن البر والتقوى، فالنهي هنا شيء يدعو إلى الدهشة ويدعو إلى الاستغراب، بل يدعو إلى الإنكار أيضًا.
الصياغة تؤدي معنى آخر.. الله جل وعلا يقول:
(أرأيت الذي ينهى، عبدًا) .
لماذا لم يقل ينهى رسوله أو ينهى محمدًا، ثمة لطيفة. هذه اللطيفة هي أن الناهي عبد والمنهي عبد وفكرة الإسلام الأساسية. تحرير الإرادة الإنسانية، بحيث يشعر كل مخلوق من بني البشر أنه مساو لكل مخلوق من بين البشر، لا سادة ولا عبيد ومن هنا حُصِرت الأوامر والنواهي، بالآمر الناهي وهو الله جل وعلا، والعبد مهما يكن شأنه ومهما يعلُ مقامه، فليس له أن يأمر وليس له أن ينهى، إلا أن يكون أمره ونهيه تبعًا لأمر الله جل وعلا ونهيه، حتى النبي عليه الصلاة والسلام، إنما يطاع لأن الله جل وعلا أمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فالطاعة ليست لشخص النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنها امتثال لأمر الله جل وعلا وإلا ففي الحقيقة أن العباد كلهم متساوون والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة) .
ومن مقتضيات الأخوّة بين العباد؛ عدم استعلاء بعضهم على بعض، لماذا يفعل الإسلام هذا. ويأتي بقضية يطرحها في المجتمع الإنساني. قبل ألف وأربع مئة سنة يوم كانت الدنيا تعرف الآلهة من الفراعين وتعرف السادة من المتحكمين في رقاب العباد، وتعرف وتعرف من التفرقات التي ما أنزل الله بها من سلطان قال ذلك ربنا. وجاءت هذه القضية بهذا الحسم وبهذا التشديد لكي يبقى الناس شاعرين بمعان الأخوة والمساواة فيما بينهم لأن الأخوة والمساواة هما الدعامة التي لا سبيل إلى إنهاض أية دعوة وأية رسالة بدونها تصوروا مجتمعًا ينقسم إلى فئات وينقسم إلى طوائف وينقسم إلى طبقات وينقسم إلى سادة وعبيد، هل يمكن أن تشيع الأخوة والمحبة والتضامن بين أفراد هذا المجتمع. لا.
إن هذا المجتمع. بالصورة التي قلنا عنها الآن. مجتمع مُتَعادٍ، مُتَنافرٍ، متخالف، يفتقر إلى أقل المقومات التي ترشحه لأداء رسالة كبرى في هذا الوجود، الإسلام حريص على أن يشعر الجميع، أن لهم ربًا واحدًا، وأنهم تحت هذه الربوبية، عبيد يتكافئون لا ريب، أما حين تنتكس الأحوال، ويتعبد الناس بعضهم بعضًا فثمة شذوذ ينبغي أن يصحح في الحال، الإسلام في الحقيقة حريص على هذه الناحية، غاية الحرص حتى الرسول صلى الله عليه وسلم بما له من جلال وكمال وبما يحتل في قلوب المسلمين من منزلة. لم يكن يسمح لأحد من أصحابه أن يذيب شخصيته في شخصيته صلى لله عليه وسلم مع بعد الفارق بين المستويين.
تصوروا إنسانًا مثل محمد صلى الله عليه وسلم بمكانه من الله ومكانته من عباد الله، يرفض أن يسير أحد خلفه كان يفضل أن يسير بين أصحابه، ويفضل أن يسير في الساقة خلف الأصحاب. هو في مقام يرفض أن يقوم له أحد من الناس، ويقول:
(من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار) .
كان يحرص عن تنمية الشخصية الإنسانية لأن الشخصية الإنسانية النامية، هي عماد الحركة الإسلامية لا غير أما الإمعات والتافهون والأذناب. فهم عبء على الإنسانية، وعبء على هذا الإسلام لاحظوا مدى الحرص.