شهد الفضل بن الربيع وزير الخليفة هارون الرشيد في عز الأمة وسيادتها عند شريح القاضي عفوًا شهد عند أبي يوسف القاضي، فرد شهادته فعاتبه الخليفة هارون الرشيد، قال له:
يا أبا يوسف لمَ رددت شهادة الوزير؟
قال يا أمير المؤمنين سمعته يقول لك أنا عبدك فإن كان صادقًا في هذا الكلام فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا فلا شهادة لكاذب. وَرَدَّ شهادةِ الوزير، هذا التصرف مبني على ماذا..؟ مبني على حرص أبي يوسف ومن على شاكلة أبي يوسف بالحفاظ على معالم الشخصية الإنسانية أن لا تزول.
هنا حينما نقرأ:
(أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى) .
يعظم الله جل وعلا من شأن هذه الواقعة كيف يجيز عبد لنفسه أن ينهى عبدًا مثله. أليس في هذا اعتداء على اختصاصات الرب جل وعلا. الله فقط هو الذي يأمر وهو الذي ينهى:
(أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى) .
يكون هذا الخطاب مساغًا حينما يُصرفُ إلى أبي جهل صاحب الواقعة ويكون تأويل الكلام: أرأيت أيها الكافر وأنت تنهى هذا العبد عن طاعة الله، أرأيت إن كان هذا العبد على هدى وعلى تقوى أرأيت لو كان هذا العبد يأمر بتقوى الله والصلاح والإصلاح، أنت بَعدُ مصرٌ على أن تظل تنهاه؛ هنا تعظيم المسألة وفيها أيضًا لفت نظر إلى أن الإنسان حين يأمر وينهى عليه أن يتذكر شيئًا شديد اللصوق بإنسانيته حينما ننهى عن الشيء لمجرد أن نريد ذلك دون أن نفقه ودون أن نتبين ودون أن نعرف فذلك عدوان.
أنا لا أستطيع أن أتهجم عليك وأنهاك دون أن أعرف الأمور على حقيقتها فأبو جهل يهجم على النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن العبادة، وعن البر والتقوى دون أن يعرف حقيقة الدعوى التي يدعو إليها هذا النبي الكريم فكلف نفسك وانظر في جملة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسم إن رأيت منكرًا فانْهَ عنه وإن رأيت معروفًا فخذ به، ويحك فذلك هو كمال الإنسانية.
من هذا الباب تهجم كثير من المغاليك الذين لا يعقلون والجهلة والسخفاء والمغرورين والممرورين على هذا الإسلام دون أن يقرؤه، دون أن يعرفوه، دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة النظر فيه نحن نسمع من أبنائنا الذين تربوا في حجورنا والذين يحملون أسماء إسلامية عداء مرًا لهذا الإسلام، وصدًا عنيفًا عن سبيل هذا الدين، ولو أنك سألت أحدهم هل يحسن أن يقيم الصلاة لوقف حائرًا مبهوتًا، ويحك انظر في هذا الدين تَعرَّف على مناهجه، تعرف على شرائعه فإن رأيت أمرًا مُنْكرًا فانْهَ عنه، وإلا فما شأنك ألست بهذا تحطم إنسانيتك وتسيء إلى معنى البشرية، فيك:
)أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى(.
الله الذي خلق هذا الخلق ناظر ومطلع على طاعة الطائع ومعصية العاصي وأمر الآمر بالمعروف وأمر الآمر بالشر والمنكر مطلع على كل هذا ومحصيه، وسوف يجازي كل إنسان وفقًا لناموس العدل الذي لا يحيد عنه قيد شعرة ثم يقول الله جل وعلا:
كلا لئن لم ينته - يعني أبو جهل عن عناده واستكباره- لنسفعًا بالناصية. الناصية مقدم شعر الرأس وكلمة سفع في لغة العرب تدل على معنيين تدل على اللفح البسيط بالنار الذي يترك شيئًا من السواد كما تدل على الجذب والشد بقوة، وكلا المعنيين مراد في هذه الآية. كلا لئن لم ينته أبو جهل عن مراغمته للنبي عليه السلام. لنَجُرنَّه من ناصيته والجر من الناصية يرمز إلى منتهى الإذلال لأن أعلى ما في الإنسان ناصيته. فحين يجر من أعلاه ليمرغ بالتراب يذل غاية الإذلال فإن كان الأمر أمر جر وجذب وتمريغ بالتراب فقد ذاق أبو جهل ذلك في بدر حينما جندل بسيوف المسلمين وسحب برجله وألقي في القليب قليب بدر.
وإن كان المراد بالسفع النار فذلك ملاقيه لا محالة لأن أبا جهل وأمثاله مصيرهم إلى النار، كلا لئن لم ينته عن عُتُوه واستكباره لنسفعًا بالناصية ناصية كاذبة فيما تقول وتدعي، خاطئة فيما تأتي من العمل، هنا عندنا فرق بين قول القائل خاطئ ومخطئ، المخطئ لا عقاب عليه؛ قال عليه الصلاة السلام.
رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
ولكن الخاطئ يقال للذي يتعمد الخطيئة وهو مسؤول ومحاسب عن عمله ومن هنا جاء البناء في الآية؛ ناصية كاذبة خاطئة آي أنها خاضت بالباطل خوضًا ووصلت إلى هذا الخطأ الذي ستحاسب عليه، وتعذب من جرائه، كلا لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه.
قلنا لكم قبل قليل إن أبا جهل قال لرسول الله صلوات الله عليه وسلامه:
بمَ تهددني يا محمد وأنا أكثر أهل هذا الوادي ناديًا.
فليدع ناديه. سندعو الزبانية، النادي: هو منتدى القوم، المكان الذي يجتمعون فيه، ولا يسمى المكان ناديًا إلا إذا كان القوم مجتمعين فيه أما إذا كان خاليًا من البشر فلا يسمى المكان ناديًا فالنادي هو مجتمع القوم.
)كلا لا تطعه واسجد واقترب(.