وما كانت الرحمة وقفًا على طائفة دون أخرى بل كانت شاملة حتى عاش في كنفها أعداؤه وخصومه حتى إنهم كلما بالغوا في إيذائه بالغ في عفوه، وقابل ذلك بقوله:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"بل أن مجرد وجوده بينهم كان رحمة لهم كفت عنهم عذاب الاستئصال الذي نزل بالأمم قبلهم، قال - تعالى: ?وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيْهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُوْنَ?. سورة الأنفال - آية: 33 .
كما نهى عن تعذيب الأسرى وعن قتل النساء والعجزة من الأعداء الذين لايشاركون في القتال وعن الصبيان وعن المثلة بالموتى، كل ذلك سبق به الإسلام القوانين التي تنادى بها الدول حديثًا ، على حين نلهث للحاق بهذه الدول مَثَلنا في ذلك كما قال الشاعر:
اِسْتَرْشَدَ الْغَربُ بالماضي فأرشدَه ونحن كان لنا ماضٍ نسِينَاه
إنَّا مَشينا وراءَ الغَربِ نقتبس من ضيائِه فَأَصَابْتنا شظاياه
كما وصف سبحانه صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم يتراحمون فيما بينهم قال سبحانه: ?مُحَمَّدٌ رَّسُوْلُ اللهِ وَالَّذِيْنَ مَعَه أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ? سورة الفتح - آية: 29 .
على أن خلق الرحمة واجب المسلم في تصرفه وعلاقاته وأن يكون بحاله في نفسه الصورة المثلى والأسوة الحسنة في أقواله وأفعاله وإلا كان النسمة تُضيء للناس وتحرق نفسها فواجبه أن لا يرى حيث نهاه ربه ولا يفقده ربه حيث أمره فهو السابق للخيرات التقي النقي الذي ينآى بنفسه عن المنكرات والموبقات .
وثم فإن أول أبواب الرحمة التي يطرقها تلك التي يقدمها لألصق الناس به . ورد الجميل لمن أسدى إليه الجميل باذلًا في سبيله الغالي والرخيص ولصاحب الحق عليه بعد ربه وهما الوالدان . بالعطف عليهما والإحسان إليهما وتقديم العون لهما.
ومن مظاهر هذه الرحمة تربية الأبناء ورعايتهم وتقديم الأسوة الطيبة لهم في محيط الأسرة قولًا وعملًا والعناية بهم صحيًا واجتماعيًا ودينيًا وتعليمهم المفيد في حياتهم وحياة أمتهم .
ومن أعظم القربات التي أولاها الإسلام بالغ رعايته صلة الرحم والرسول الكريم صلوات الله عليه يقول: من أراد أن ينسأ له في أجله ويبارك له في رزقه فليصل رحمه كما يقول سبحانه: ?وَاتَّقُوْا اللهَ الَّذِيْ تَسَآءَلُوْنَ بِه وَالأَرْحَام? سورة النساء - آية:1 .
وقال سبحانه متوعدًا من يقطع رحمه: ?فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوْا فِيْ الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْا أَرْحَامَكُمْ أُولائِكَ الَّذِيْنَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ? سورة محمد - آية: 22-23 .
وقال صلى الله عليه وسلم: لايدخل الجنة قاطع .. قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم .. متفق عليه .
والأسرة ما لم تعطرها الرحمة انقلبت إلى جحيم يصلى ناره الزوجان كما ينعكس ذلك على الأولاد شقاء وضياعًا وحرمانًا فإن الله سبحانه أكد الحفاظ على العلاقة الزوجية أن تنفصم عراها أو يصيبها الضعف حين جعل الأساس لهذه العلاقة المودة والرحمة وحسن العشرة ودوام الألفة والمحبة وفي ذلك يقول سبحانه: ?وَعَاشِرُوْهُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ? سورة النساء - آية: 19 .
كما يقول تعالى: ?وَمِنْ آيَاتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوْآ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَّرَحْمَةً? سورة الروم - آية: 21 .
كما أوصى صلوات الله عليه بحسن معاملة الأتباع والخدم ، وحذر من القسوة عليهم بل لقد جعل كفارة ذلك مع الرقيق تحريره من رق العبودية، فعن أبي مسعود البدري - رضي الله عنه - قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي يقول:"اعلم أبا مسعود"فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام . فقلت لا أضرب بعده مملوكًا أبدًا) ، وفي رواية فقلت يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم: (أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار) .