ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي اتبع [عثمان بن فودي] سياسة حكيمة تقوم على بناء الكوادر التي تواصل حمل الراية ونشر الدعوة، وكان لعثمان بن فودي عين فاحصة تستطيع انتقاء النجباء والأبطال وحملة الدعوة، خاصة وأن فتوحاته التي قام بها في غرب 'نيجيريا' قد حركت الحماسة والحمية للإسلام في قلوب الكثيرين، ومن هؤلاء الكثيرين انتقى [عثمان بن فودي] ثلاثة نفر كان لهم أعظم الأثر والدور الكبير في خدمة الإسلام والمسلمين، أولهم الشيخ [أدم] وهو شيخ من أهل العلم من أهل الكاميرون، قد حركت فتوحات [عثمان بن فودي] حب الجهاد في قلبه، وبدأ يدعو الناس إليه وإلى نشر الإسلام في القبائل الوثنية، فلما وصلت أخباره للأمير [عثمان بن فودي] أرسل يستدعيه من الكاميرون سنة 1811 ميلادية ـ1226 هجرية، فلما حضر جلس معه وكلمه عن مبادىء الحركة وعقيدة السلف، وأقنعه بوجوب الجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام في قلب القارة الإفريقية، فلما انشرح صدر الشيخ [أدم] للفكرة، أعطاه [عثمان] رايته البيضاء وهى رايته في الجهاد، وكلفه بمواصلة الجهاد حتى ينشر الإسلام فيما يلى نهر البنوى جنوبًا وهو فرع كبير من فروع نهر النيجر العظيم، فقام الشيخ [أدم] بالمهمة على أكمل وجه، حتى أدخل بلاد الكاميرون كلها في الإسلام، وكافأه الأمير [عثمان بن فودى] بأن جعله أميرًا على الكاميرون، وظلت الإمارة فيهم حتى احتلال الإنجليز للكاميرون سنة 1901 ميلادية ـ 1319 هجرية .
&أما الرجل الثانى -a فكان أحد جنود [عثمان بن فودى] واسمه [حمادو بارى] وقد اشترك في معركة الجهاد الأول ضد أمراء 'جوبير' الوثنيين، وبتواصل الجهاد، بانت نجابته وظهرت شجاعته وإخلاصه لنشر الدين، فكلفه [عثمان] بفتح بلاد الماسنيا 'واقعة في مالى الآن' ونجح [حمادو] فى مهمته خير نجاح، فكافأه [عثمان] بأن أعطاه لقب [الشيخ] وجعله أميرًا على منطقة الماسنيا، وأمره بمواصلة الجهاد لنشر الإسلام، ولقد أثبت الأمير [حمادو الشيخ] أنه من أنجب وأفضل تلاميذ الإمام [عثمان بن فودى] ، فلقد نظم دولته على نسق دولة الخلافة الراشدة، حيث قسمها إلى عدة ولايات، وأقام على كل ولاية واليًا وقاضيًا ومجلسًا للحكم، كهيئة استشارية للحكم الإسلامى على الكتاب والسنة، وعمر البلاد فازدهرت دولته بقوة ووصلت إلى 'بوركينافاسو' و'سيراليون' و'غينيا بيساو' .
&أما الرجل الثالث ---> فكان الحاج [عمر] وأصله من قبائل الفولانى عشيرة [عثمان بن فودى] ، ولد سنة 1797 هجرية، أى أنه كان في أوائل شبابه، والإمام [عثمان بن فودى] فى أواخر حياته، ولكن هذا الشاب، قدر له أن يجتمع مع الإمام، وذلك أن [الحاج عمر] كان محبًا للدعوة والجهاد، فلما اشتد عوده قرر الرحيل إلى بلد الإمام [عثمان] ليراه ويسمع منه وبالفعل ذهب إليه ورأه الإمام [عثمان] فتفرس فيه النجابة والفطنة والشجاعة، فنصحه بأن يذهب إلى [حمادو الشيخ] ويلتحق بخدمته، لعله أن يكون خليفته [حمادو الشيخ] بعد رحيله في قيادة المملكة الإسلامية هناك، وبالفعل نجح [الحاج عمر] أن يلتحق بخدمة [حمادو الشيخ] ويخلفه بعد رحيله، وقاد القبائل الإسلامية قيادة عظيمة وكان جيشه يقدر بأربعين ألف مقاتل، وحارب الوثنيين والفرنسيين على حد السواء، وتولى أولاده من بعده قيادة المسلمين في هذه المنطقة التى ابتليت بأشرس هجمة صليبية في تاريخ البشرية .
** وبالجملة نجح الإمام المجاهد [عثمان بن فودى] ، وأعظم أمراء إفريقيا في بناء قاعدة عريضة من المجاهدين والقادة والأمراء الذين قادوا الأمة المسلمة في قلب إفريقيا، وأقاموا أعظم الممالك الإسلامية في هذه البقعة الغامضة عن ذهن أبناء المسلمين الآن .
ولقد توفى الإمام المجاهد الأمير [عثمان بن فودى] سنة 1818 ميلادية ـ 1233 هجرية، بعد أن أعاد للإسلام مجده، وأدخل الدعوة السلفية المباركة إلى القلب الإفريقى، وابقى للإسلام دولة قوية ظاهرة صامدة أمامهجمات الأعداء، حتى بعد وقوعها فريسة للاحتلال الصليبى، بقيت القلوب حية، مجاهدة، تقاوم الأعدء، تحافظ على دينها وعزتها، فجزا الله عز وجل هذا الإمام على ما قدمه للإسلام في إفريقيا، ورفع درجاته في عليين مع المهديين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر:
التاريخ الإسلامى / أطلس تاريخ الإسلام / تاريخ السودان الغربى 'عبد الرحمن السعدى' / تاريخ انتشار الإسلام في غرب إفريقيا 'عبد الرحمن زكى' / تاريخ الإسلام في غرب إفريقيا 'إبراهيم طرخان'