2 -وإذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم فلا بد من التحقق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال - عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) هذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق لكي لا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا، فوجوب التثبت والتحقق فيما ينقل عن الصحابة وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصًا ونحن نعلم أن مثل هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، إما من جهة أصل الرواية، أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وأمثالهما [6] ، من أجل ذلك لا يجوز أن يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع وبعضها محرف وبعضها لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد تيقنا ما ثبت في فضلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها فكيف إذا علم بطلانها [7] .
3 -أما إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل وكان ظاهرها القدح فيلتمس لهم أحسن المخارج والمعاذير، قال ابن أبي زيد: (.. والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب) [8] .
وقال ابن دقيق العيد: (وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحًا أولناه تأويلًا حسنًا لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل المحقق والمعلوم) [9] ، هذا بالنسبة لعموم ما روي في قدحهم.
4 -أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم، وثبت في ميزان النقد العلمي فهم فيه مجتهدون، وذلك أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: أ- قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
ب -وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق مع الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
ج - وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضايا وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك [10] .
إذًا هذا القتال هم متأولون فيه، لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب نفسها بسببها وذلك لا يخرجهم من العدالة بل هم في حكم المجتهدين في مسائل الفقه فلا يلزم نقص أحد منهم إنما هو بين أجر وأجرين.
ومن المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون علي ولا قال ذلك طلحة والزبير...
وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء- بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان - رضي الله عنهم -، وهو من باب قتال أهل العدل والبغي وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام لا على قاعدة دينية - أي ليس بسبب خلل في أصول الدين - [11] .
ويقول عمر بن شبه: (إن أحد ًالم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا لأحد ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم) [12] .
ومما يؤكد ذلك هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير:(جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليًا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إليَّ قتلة عثمان، وأسلم له، فائتوا عليًا، فكلموه.
فلم يدفعهم إليه [13] )وفي رواية: (فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية) [14] .
وأيضًا جمهور الصحابة، وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين.
قال ابن تيمية: (وهذا الإسناد أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل) [15] .
فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا مثل هذه النصوص الصحيحة؟ وتكون منطلقًا لهم، لا أن يلطخوا أذهانهم بتشويشات الإخباريين ثم يؤولون النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة المزجاة.