فهرس الكتاب

الصفحة 4302 من 27345

5-ومما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة - مع اجتهادهم فيها وتأولهم - حزنهم الشديد وندمهم لما جرى، بل لم يخطر ببالهم أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه، بل إن البعض أيضًا لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال، وإليك بعضًا من هذه النصوص المؤثرة: أ-فهذه أم المؤمنين عائشة تقول -كما يروي عنها الزهري: (إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا [16] ، وكانت إذا قرأت:(وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) تبكي حتى يبتل خمارها) [17] .

ب -أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيقول الشعبي: (لما قتل طلحة ورآه علي مقتولًا، جعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلًا تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عجري وبجري(همومي وأحزاني) وبكى عليه هو وأصحابه، وقال: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة) [18] ، ويقول - رضي الله عنه: (يا حسن يا حسن، ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا، ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة) [19] .

وكان يقول ليالي صفين: (لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك(وهم ممن اعتزل الفتنة) إن كان بدًا إن أجره لعظيم، وإن كان إثمًا إن خطره ليسير) [20] .

فهذا قول أمير المؤمنين رغم قول أهل السنة إن عليًا ومن معه أقرب إلى الحق [21] .

ج -ويقول الزبير بن العوام - رضي الله عنه - وهو ممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها: (إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها، فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها؟ قال: ويحك! إنا نبصَّر ولا نبصِر، ما كان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه، غير هذا الأمر، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر؟ ) [22] .

وهذا معاوية - رضي الله عنه -، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب، جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي، فقالت امرأته، أنت بالأمس تقاتله، واليوم تبكيه؟ فقال: ويحك، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره، وفي رواية (ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم) [23] .

وبعد كل هذه النقولات كيف يلامون بأمور كانت مشتبهة عليهم؟ فاجتهدوا فأصاب بعضهم، وأخطأ الآخرون وجميعهم بين أجر وأجرين، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل وجرى، وتابوا من ذلك، وما حصل بينهم من جنس المصائب التي يكفر الله - عز وجل - بها ذنوبهم، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم قال - صلى الله عليه وسلم: » لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يسير في الأرض ليس عليه خطيئة « [24] ، وعلى أقل الأحوال لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنبًا محققًا، فإن الله - عز وجل - يكفره بأسباب كثيرة من أعظمها الحسنات الماحية-من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم -، والمصائب المكفرة، والاستغفار، والتوبة التي بها يبدل الله - عز وجل - السيئات حسنات، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

6 -وأخيرًا نقول إن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب، فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف الأمور التي هم فيها مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور.

ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر، مغفور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم من إيمان وجهاد وهجرة ونصرة وعلم نافع وعمل صالح [25] .

يقول الذهبي - رحمه الله: (...فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع بينهم وجهاد محّاء وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة) [26] .

إذًا اعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.. (ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي... ) [27] .

ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساويهم مطلقًا - كما مر سابقًا -، وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ لصحابي، فلا بد أن يقترن بذلك ذكر منزلة هذا الصحابي وتوبته وجهاده وسابقته..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت