فهرس الكتاب

الصفحة 4901 من 27345

لو أنهم يقفون هنيهة يتأملون موقفهم في مؤتمر"ديربان"الأخير لمحاربة العنصرية , أو موقفهم من قضية فلسطين , وكيف آزروا الظلم وقاوموا الحق والعدل , وما هزهم مصرع الأطفال , وتشريد العائلات من بيوتهم ,وهدم البيوت على أصحابها , والاختطاف والاغتيال وسائر الجرائم الوحشية التي ترتكب كل يوم , أو يتذكرون دموع الثكالى وأنات الجرحى وصيحات الاستغاثة , لو فعلوا ذلك لذهب بعض كبرهم وتراجعوا عن كثير من غيهم وظلمهم .

لو أنهم يقفون هنيهة يتذكرون ما ارتكب من مآسي ومجازر وانقلابات في نواحي متعددة من الأرض , وما سببوا من كوارث , سواء في العالم الإسلامي , وأمريكا اللاتينية , وبعض بلدان آسيا , واليابان , وغيرها وغيرها مما يصعب حصره الآن , وما فعلوه بالمسلمين الأفارقة حين ساقوهم بالسلاسل عبيدًا يستذلونهم , ويستحلون إذلال كل كرامة وضعها الله في الإنسان , أو ما فعلوه بالهنود الحمر أصحاب البلاد الشرعيين , أو ما فعلوه في شعوبهم حين خدروهم بشعار الحرية المتفلتة الكاذبة , وحرية الجنس والفاحشة والخمور وسائر الموبقات , لو يقفون هنيهة ليتذكروا مآسي الجرحى والمشوهين , وصيحات الهلع والاستغاثة , وأشلاء الأطفال والشيوخ والنساء والرجال , منثورة في الأرض كلها , لو يقفون قليلا ليحاسبوا أنفسهم , لعلهم يُفيقون من سكرة الكبر والغرور , وفتنة العلم وزينة الدنيا وزخرفها .

في باطن الأرض رفات الملايين من البشر المظلومين , غابوا تحت الثرى , ولكن لم تزل كلُّ حبة تراب أو بقية من رفات مرتبطة بأرواحهم في عالم الغيب , تشكو إلى الله ما لاقته من ظلم وقهر وذل على أيدي الظالمين .

لتقف أمريكا ولتقف الدول الأوروبية ولتقف روسيا وكل الدول التي اعتدت في تاريخها على شعوب أخرى , فظلمتها ونهبت خيراتها وتركتها فقيرة نهب الجوع والمرض , ولينظروا ما كسبته أيديهم من مظالم في الأرض . هل يمكن لإنكلترا أن تنسى ما فعلته في الهند وغيرها من بقاع الأرض ؟ هل يمكن لفرنسا أن تنسى ما فعلته في شمال أفريقيا ؟ وما فعلته إيطاليا؟ وهل تنسى روسيا ما فعلته سواء في العهد القيصري أو العهد الشيوعي ؟ كلُّ الدول ممن ذكرنا وممن لم نذكر

يجب أن يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها قبل فوات الفرصة:

"وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون .واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفس يا حسرتَى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين ." [ الزمر:54-56 ]

من أجل أبنائكم وذرياتكم ومستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة , تجب هذه الوقفة اليوم مع هذه الحادثة المروعة , وليعلموا أن الله لن يفلت أحد من عقابه, وإنما يأخذ الناس , كل الناس , بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير:

"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ." [ الروم:41 ]

"ولنذيقنَّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ." [ السجدة:21 ]

والقضية الأخرى أنَّ الظالمين في الأرض والمجرمين قد لا يجدون من ينصحهم أو يذكِّرهم أو يدعوهم إلى صفاء الإسلام وصفاء الإيمان والتوحيد , كما أُنزل عل محمد صلى الله عليه وسلم ,أو ينذرهم بعذاب الله في الدنيا والآخرة , حين يصمت المسلمون , أو يخشى الصالحون , أو ينحرف المصلحون , أو يهون المستضعفون . وفي جميع الحالات , ستظل سنن الله ماضية , ابتلاء منه سبحانه وتعالى , حتى تقوم الحجَّة يوم القيامة على كل إنسان وكل شعب وكل أمة .

لحظات يقف فيها المستكبرون في الأرض والظالمون مع أنفسهم , ليراجعوا ما صنعته أيديهم من شقاء للإنسان في ظل الحضارة العلمانية والعولمة والديمقراطية والحداثة ومذاهبها . لحظات يسترجعون فيها التاريخ ليروا كم حملت أنفسهم من شهوة الظلم والعدوان والاستعلاء , وليتأمَّلوا في آيات الله البيِّنات:

"قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذِبين ." [ الأنعام:11 ]

ولن يفيد الضعفاءَ المستضعفين شيءٌ من الندامة يوم القيامة . سيؤخذون كما أخذ أسيادهم:

"وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا نصيبًا من النار." [ غافر:47 ]

إن هذه الحادثة العاصفة على أمريكا , الحادثة التي تجاوزت خيال المظلومين في الأرض , نقف أمامها خاشعين لله في رهبة وإنابة أمام عظمة الله وجلاله . لقد جاءت نذيرًا للناس كلِّهم , للظالمين والمظلومين . وقد تكون هذه نذيرًا للبشرية كلها , حين يأخذ الله الناس والقرى بعذاب أشد:

"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد." [ هود:102 ]

"وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإليَّ المصير" [ الحج:48 ]

وهذه سنة الله ماضية في جميع العصور , وستظلُّ ماضية مع الزمن كله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت