فهرس الكتاب

الصفحة 24307 من 27345

إنَّ إنسانًا جديدًا مختبئًا بدواخلنا يمكن أَنْ يُبْعَثَ إلى الوجود، ويحتلَّ مكانًا مرموقًا فوق الأرض، بصرخةِ إيمانٍ واحدةٍ يطلقها مجلجةً قلمُ الشيخ، فتنصدع لها القلوب، وتهتز لها الأرواح، وتجيش لها الفِطَرُ، وتنشقُّ لها الصدور.. فيملأها نورًا هاديًا، ويضع فيها قلبًا ملائكيًا طاهرًا.. فإذا أصحابها بَشَرِيُّونَ يأكلون ويمشون في الأسواق بقلوب ملائكية تسمو على كل القلوب بنبلها وشرفها. غير أنَّ كُلَّ واحد منهم يديم خطاب فؤاده قائلًا:"أُصْمُتْ أيها الفؤاد واصبر وتواضع، كن ترابًا لتغدوَ تِبْرًا، وَدُسَّ نفسك تحت ثرى الأرض لتعلوَ فوق الثريا في السماء."

أمَّا أذهانهم فتامَّةُ الصفاء، وأمَّا عقولهم فتضيءُ كُلُّهَا في لحظةٍ واحدةٍ، بنورٍ زَاهٍ واحدٍ، كأنَّ بعضها يرتبط ببعض بسلك نورانيٍّ خفيٍّ واحدٍ، يسري فيه تيار كهربيٌّ واحد، فتشتعل كُلُّهَا مرةً واحدةً بِمَسٍّ خفيف على زرٍّ صغيرٍ واحدٍ.

من عيونهم يشرق نورٌ هادئٌ غير أنه نافذ القوة، لا يلتقون أحدًا إلاَّ مَسُّوا أوتار المحبَّة في قلبه فصار يقطر وُدًّا ومحبَّةً، ولا يلتقيهم أحد إلاَّ ويجد نفسه منساقًا بقوة دافعة إلى معانقتهم والشدِّ على أيديهم وكأنهم قادمون من مكان قصي في عالم الغيب ولو الْتقاهم في اليوم ألف مرة. إذا تكلموا صاغوا كلامهم من حنايا قلوبهم، وإذا صمتوا أكبرتَ صمتهم وَهِبْتَهُمْ ولم تجرؤْ على مخاطبتهم قبل أن يعودوا من رحلة الصمت هذه بآهةٍ حرَّى هي تعبير عن آلام أُمَّة وأوجاع دين.

لمثل هؤلاء الشباب الأفذاذ ذوي الصفات العالية الخارقة، يحتفظ الأستاذ فتح الله بدمعته الأخيرة، لأنه ما من أحد يسعه أن يكتم دمعة تجود بها عيناه عندما يرى آمال فكره شاخصة أمامه، وأحلامَ روحه حقائق قائمة بين يديه... هؤلاء هم المصغون لهتاف قلبك، والملبُّون لنداء فكرك أيها الشيخ الجليل، ومن أجل حُبِّكَ العظيم لهم تتألم روحك، ومن أجل إشفاقك عليهم يبكي قلبك، إنهم اليومَ مِلءُ السمع والبصر، تطرب الأرض بوقع أقدامهم، وترنو السماء إليهم رُنُوّ الوامق المشتاق. وتجد الأبدية فيهم لسانها المتكلم بألف لسان ولسان، إنهم وجدوا الشيءَ الذي يحيون من أجله، ووقعوا على ما يطيب النضال في سبيله، ألا وهو السلام، ووحدة العالم، تحت ظلِّ إلهٍ واحد، هو ربُّ السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام.

أنا مغمض العينين

ألحظ أجيال الغد

وهي تتفتح عن منابت الأملنحن نشعر بأن كل شيء في العالم الخيّر الجميل للغد سيكون بروعة وجمال الوجوه المشرقة لأهل الجنة، وسيكون معبرًا كالتعبير العميق لنظراتهم، وسيكون فواحًا بالعطر كعطر جلودهم وأجسادهم، وستلين بل تذوب حتى القلوب المتحجرة بفعل الروائح العطرة التي ستهب من كل جانب.

أجل!.. سيتفتح الوجود في يد إنسان المستقبل المتنور ذهنًا وروحًا مثل برعم وردة، وسينتقل الإنسان السعيد لهذا المستقبل المنور في صدد الكشف عن الأكوان كالفاتحين العظام من نصر إلى نصر ويصل في النهاية إلى معرفة السر في أن الأشياء كلها مسخرة لبني الإنسان. ويمر تحت أقواس النصر الواحد منها تلو الآخر لينصب راية الفكر والشعور على برج مرضاة الله تعالى، ويرى قدرته في عجزه، وثروته وغناه في فقره، فيرتفع ويطير بأجنحة الشكر والشوق ويبحث عن عوالم أخرى لفتحها وحتى يحين اللحظة التي يفتح فيها عينه على العالم الآخر يعيش في دنياه الحلوة هذه حلاوة الأحلام محاولًا على الدوام إضافة أبعاد جديدة لها.

إن قُيّض لنا أن نصل إلى تلك الأيام، نحن الذين نشكو عقدة في لساننا وضيقًا في صدورنا، وشللًا في مشاعرنا... نحن الذين نعاني الحرمان لم نجد فرصة لتوسيع عالم مشاعرنا وأفكارنا... إن وصلنا إلى تلك الأيام هاجت بنا الأشواق وبدأت الحِكَمُ تتساقط من أفواهنا، وعندما نرى أن الآمال التي طالما أخفيناها في صدورنا ومشاعرنا الخفية المتأرجحة بين الحسرة والأمل وأفكارنا السجينة الحزينة على قلة حظها قد ظهرت الميدان... عند ذاك سيتم تذوق كل حلاوات وسحر تلك العوالم التي كانت تعيش على الدوام في خيالنا.

أجل!.. إن مشاعرنا النائمة في أعماقنا ستقوى وتتوتر بشوق، وتتذوق حلاوة هذه الحياة مثل فراشة تتنقل في الصباح الباكر بين الورود والزهور باحثة عن أبعاد جديدة من سعادة الحياة التي هو اللذة بذاتها. وفي هذا الجيل الذي تتبرعم في كل جانب منه أنواع من اللذائذ، سيجد أصحاب الأرواح المتفتحة على ذاتها وعلى عوالم مشاعرها وأحاسيسها فرصة البحث عن عوالم أخرى من الجمال اللدني، وعوالم أخرى من الخيال المذهل الذي تبرق فيه الأبصار، فيشاهدون في سهول وبراري قلوبهم المتنورة بالإيمان عناقيدًا من النجوم المتراصة الواحدة تلو الأخرى، وسفوحًا كسفوح تلال الجنة موزعة هنا وهناك. وبفضل هذه الأفكار الجميلة الملونة التي تأتي متعاقبة يمزقون الرتابة التي تسعى لإطفاء جمال عالمهم إربًا إربًا فيعيشون في شوق وطرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت