لقد قامت الشيوعية تدعو إلى حقوق الطبقة العاملة وحرّيتهم وإنقاذهم من المجرمين الظالمين في الرأسمالية. فماذا كانت النتيجة ؟! لم ينل العمال حقوقهم ولا حرّيتهم ولم تحترم أدنى درجات الإنسانية ، ولكن الشيوعية وأحزابها في صراعها مع الرأسمالية استبدلت بمجرمي الرأسمالية مجرمين اشتراكيين وشيوعيين ، استبدلت بالظالمين ظالمين جددًا . فأفنت الملايين من البشر في ظلمات فوقها ظلمات .
قامت شعوب كثيرة تطالب بحريتها . فمن فشلت جهودهم من هذه الشعوب سُحِقوا تحت شعار الحرية والعدالة ، ومن نجحت جهودهم أقاموا لونًا آخر من الظلم والفساد في الأرض ، ولونًا آخر من العدوان والنهب .
أين الحرية اليوم ؟! إلا حرية الكلمة المخدّرة أو الكلمة المرتجفة ، أو الكلمة المترنحة ، أو حرية صاحب القوة والنفوذ ، أو الحرية في التقاط الفُتات مما يُلْقيه المجرمون المعتدون ، أو حرية الخمور والفاحشة في مواخير الليل ، أو حرية الزنا في الشوارع والحدائق والزوايا ، أو حرية اللواط يحميه القانون وترعاه العصابات ؟!!
3ـ ارتبط الحرية الحقيقية بالإيمان والتوحيد:
إن النموذج المثل للحرّية والصورة الصادقة الأمينة ، النموذج المتكامل والصورة النقيّة ، لم تعرفها البشرية في تاريخها الطويل إلا بما دعا إليه الرسل والأنبياء ، ولم يحملها إلى الناس إلا رسالة الله إلى عباده وخلقه ، ولم يُطبقها في واقع الإنسان إلا الأنبياء والرسل وأصحابهم وحواريوهم الذين حملوا الرسالة من بعدهم وصدقوا الله في حملها ، دون تحريف أو تبديل . ولقد كانت رسالة الأنبياء والمرسلين رسالة واحدة هي الإسلام . فالله واحد ، والدين واحد ، وخُتمت الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبكتاب الله ، القرآن الكريم ، بمنهاجه الربّاني - قرآنًا وسنة ولغة عربية -، حيث جاء مصدّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه .
ذلك لأن الحرية الحقيقية الطاهرة الصادقة مرتبطة كل الارتباط بالإيمان والتوحيد وأسسهما ، مغروسة في فطرته السوية التي فطر الله الناس عليها ، إذا لم تنحرف أو تتشوه أو تفسد .
ولعل كلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي قالها لعمرو بن العاص رضي الله عنه ، حين اعتدى ابنه محمد على أحد الناس وضربه بالسواط ، ثم جعل عمرُ الرجل يأخذ حقَّه من ابن عمرو بن العاص فضربه بالدرة واستوفى واشتفى ، لعل كلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومَها مازالت تدوِّي ملءَ العصور والأَجيال ، تعلم الناس نموذجًا رائعًا من نماذج الحرِّية ، نموذجًا جامعًا لكثير مما ذكرناه أُعلاه . قال عمر رضي الله عنه:"أُيا عمرو ! متى تعبَّدتُم الناس وقد ولدتهم أُمهاتهم أَحرارًا" ( [1] )
إنها الفطرة التي فطرها الله عليها ، فولدتهم أُمهاتُهم بهات مع أُودع فيها من أَسرار وقوى ورغبات . وكان أَهمَّ ما أَودع الله في فطرة الإنسانِ الإِيمانُ والتوحيدُ ، ليرويا ويغذّيا جميع الطاقات والرغبات ، فتظل تعمل متوازنة عادلة . فإذا اضطرب هذا الريُّ والغذاء ، أُو انقطعا أَو استُبْدِل بهما مصدر فاسد ، انحرفت واضطربت الموازنة وساء
العطاء . فتصبح الشهوةُ فجورًا وعدوانًا ، والحبُّ والموالاة وثنيّةً وشركًا ، والحرّيةُ أَنانيّة واستبدادًا ، والإِخاءُ عصبيةً واستغلالًا .
من هنا تأخذ الحرِّية معناها الإيماني حين ترتبط في فطرة الإنسان بالإيمان والتوحيد ، وتأخذ بُعدَها الإنسانيَّ حين أَودعها الله فطرة الإنسان ، لتأخذ حقيقة هذا البعد وجوهره . من هنا ترتبط الحرّية بكل المعاني التي يتغنّى بها الناس والشعارات التي يرفعونها لتظل صادقة بها أَمينة معها . ومن هما تأخذ الحرّية معناها الكامل ومحتواها المتكامل والمترابط ، وممارستها المتناسقة . فإذا انفصلت عن هذا المنبع الغني الذي يرويها انقلبت فتنةً في الأَرض وفسادًا ، وانفصلت عن خصائصها ومقوّماتها ، وأَخذت خصائص جديدة من الشرِّ والانحراف والفتنة .
من هذا الارتباط بالفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ومن هذا الارتباط بالإيمان والتوحيد ، تكتسب الحرّية العادلةُ ، الحرّية الحقيقية ، الحرّيةُ في الإسلام ، خصائص هامة مؤثرة في واقع الإنسان والشعوب مع العصور كلها ، ومؤثرة كذلك في واقعنا اليوم نحن المسلمين .
الحرّية نفسها ، وسائر الغرائز والميول المغروسة في فطرة الإنسان ، تظل تؤدي الوظيفة التي خلقها الله لها ، وتظل في ميزان الله"تقوى""وعملًا صالحًا"ما دامت مرتبطة بالإيمان والتوحيد مرتوية من نبعه الفياض ، نبعًا غنيًا يفتحه ويدفع تدفُّقه النيّة الخالصة لله ، النية الصادقة الواعية . فإذا انفصلت الحرية ، أو أي غريزة أو ميل مغروس في الفطرة عن الإيمان والتوحيد ، وعن ريّهما الغنيّ ، أو إذا استبدلت الحريةُ بالإيمان والتوحيد ريّا آخر فإنها تصبح"فجورًا"وفتنة وعملًا غير صالح .
(( ونفس وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساّها ) ) [الشمس: 7 -10 ]