4ـ الحرية في الإسلام تقوم على أساس المسؤولية والحساب:
ومن أول هذه الخصائص وأَهمها المسئولية والحساب . فهاتان الصفتان هما من خصائص الإيمان والتوحيد ، وخصائص كل سجيّة ترتبط بهما . ولا بد هنا أَن نشير بإيجاز إلى الإيمان والتوحيد يمثلان قضيّة مفاصلة وحسم لا مساومة معها ولا تراخ:
(( إنه لقول فصل * وما هو بالهزل ) ) [ الطارق: 13 ، 14]
إنهما يمثلان تكاليف ربانية في ميادين شتى من الحياة ، والتزامًا بها ، وجهادًا من أجلها في سبيل الله ، ويمثلان قضية مسؤولية وحساب .
فر حرّية في نظر الإسلام دون مسؤولية وحساب ، فحين يعطي الله سبحانه وتعالى حرّية الاختيار للإنسان ، ويوفّر له كلّ أَسباب ممارستها ، فإنه لا يتركه مع حرِّيته هذه متفلَّتا من مسؤولية اختياره . بل يجعل الله لكل اختيار يمضي إليه الإنسان نتيجة جليّة وجزاء عادلًا لا يستطيع أَن يفرّ منه أَبدًا . ويمضي هذا الجزاء في الدنيا على سنن لله ثابتة ، علمنا الله بعضها في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وفي الآخرة إلى إِحدى نتيجتين - جنّةٍ أَو نار - لتمثل كل نتيجة منهما حصاد اختيار الإنسان في الحياة الدنيا . ونأخذ مثلًا على ذلك من كتاب الله:
(( وقل الحقُّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارًا أَحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقًا * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أَجر من أحسن عملًا * أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسُنت مُرتفقًا ) ) [ الكهف: 29 - 31 ]
(( وقل الحقّ من ربكم … ) )! هذا هو المنطلق ! إعلان الحق الذي لا باطل معه أبدًا لأنه من عند الله . إعلانه والدعوة إليه !
(( .. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. ) )! ثمَّ تأتي فرصة الإنسان ليختار على مسؤوليته الإيمان الحق من عند الله ، أو الكفر به ، إنها مسؤولية الإنسان ، فلا ينفع إيمان يدّعيه الإنسان رهبة من سلطة دنيوية أَو رغبةً في غرض من الدنيا ، أَو نفاقًا يزينه الشيطان له . لا بُدَّ أَن يكون الإيمان قناعةً تستقرّ في القلب حتى تطمئن النفس بها .
ولا يختار الإيمانَ بالحقِّ إلا الفطرة السليمة ، كما أشرن إليها قبل قليل ، يهديها الله إلى صدق الاختيار برحمته وفضله ، وعفوه وعدله . وأَما من وقع في المعصية والهوى ، والآثام والمظالم ، حتى انحرفت فطرته أَو تشوَّهت بما كسبت يداه ، وحتى غلبته الفتنة وأَغواه الشيطان ، حتى لم يعد يستحق الهداية من الله بما ظلم به نفسه ، فإنه يختار عندئذ الكفر على سنن الله ماضية في خلقه ، وحكمة لله غالبة ، وعدالة ماضية ، لا يظلم معها الله أحدًا .
(( كذلك حقَّت كلمتُ ربك على الذين فسقوا أَنهم لا يؤمنون ) ) [ يونس: 23 ]
ولا تمضي هذه الحرية في الاختيار كما عبَّرت عنها الآية الكريمة السابق ذكرها من سورة الكهف . دون مسؤولية وحساب . تمضي لتبيّن لنا الجزاء الحق والحساب العادل: (( .. إنا أعتدنا للظالمين نارًا أَحاط بهم سرادقها.. ) )فهذا جزاء الكافرين الذين يموتون على كفر علمه الله بهم . وأما من اختار الإيمان فجزاؤه جنات عدن: (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا * أولئك لهم جنات عدن .. ) ).
ولا تكون المسؤولية والحساب في الآخرة فحسب ، ولكنها كذلك في الدنيا حيث تمضي سنن الله الثابتة العادلة على هؤلاء وهؤلاء على حكمة الله غالبة وعدالة ماضية:
(( أَم حسب الذين اجترحوا السيئات أَن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ) [ الجاثية: 21 ]
وربما يلتبس الأمر على بعض الناس حين يرون بعض آيات الله في ابتلاء المؤمنين ، فتغيب عن بالهم سنة الله في الابتلاء ليمحص الله بها عباده ، وليميز بها الخبيث من الطيب ، ولتقوم الحجة على كل إنسان يوم القيامة .
5ـ من قواعد الحرية في الإسلام المساواة أمام التكاليف الربانية:
لا تستقيم الحرّية في ميزان الإسلام حين تفسد الفطرة ، ويضطرب الإيمان والتوحيد ، وتتفلّت المسؤولية والحساب تبعًا لذلك . فمن أَهم خصائص الإيمان قضيّة"الأمانة"التي يحملها الإنسان في الحياة الدنيا ، وليكون الالتزام والوفاء بها أساس الحرّية ومنطلقها وميدان ممارستها .
فإذا كانت التكاليف الربّانيّة والالتزام بها ، وما ينشأ عن ذلك من مسؤولية وحساب ، يمثل هذا كله بعض القواعد الهامة التي تقوم عليها الحرّية في ميزان الإسلام ، والتي تنبثق من الإيمان والتوحيد ، فإن هنالك قواعد هامة أُخرى للحرية تنضمّ إلى القواعد السابق ذكرها .