فهرس الكتاب

الصفحة 6614 من 27345

ومن أهم القواعد مساواة الناس أَمام التكاليف والالتزام والمسؤولية والحساب ، لا يختلف في ذلك إنسان عن إنسان إلا بمقدار الوسع والطاقة والمسؤولية والأَمانة . فإن الله سبحانه وتعالى نفسًا إلا وُسعها كما نصَّ القرآن على ذلك . و لا تقوم المسؤولية أَيضًا إلا على قدر الوُسع والطاقة . والوُسع الذي نتحدّث عنه هو"الوسع الصادق"الذي يضعه الله في عبده هذا أو ذاك فيحاسبه عليه ، لا"الوسع الكاذب"الذي ترسمه الهواء والأماني والأعذار .

(( ولا تكلف نفسًا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) ) [ المؤمنون: 62 ]

6ـ وقاعدة أُخرى هي الشمول والامتداد:

وقاعدة أُخرى هامة هي الشمول والامتداد . فليست الحرية الكلمة فقط ، ولكنها حرية ممتدة في واقع المؤمن تقوم على الأُسس السابقة في ميدان الفكر والسعي والكلمة وغيرها من الميادين ، وهي حرية الفرد والجماعة والأُمة ، حرية ممتدة شاملة تضبطها وتوجهها القواعد السابقة كلها وخصائص الإيمان والتوحيد . فالإسلام الذي حرّر الإنسان من داخله وحرّر روحه وعقله وكيانه كله من الأغلال الباطلة والقيود الظالمة ، أَطلق الحرية في ميادين الحياة نديّة بالإيمان غنيّة بالتوحيد لتهب الحياة الجمال الحق ، ولتهب الإنسان المتعة الطاهرة الدائمة الممتدة .

7ـ ومن قواعد الحرية في الإسلام الأمن والنفس المطمئنة إلى ربّها:

ومن القواعد الهامة للحرِّية في ميزان الإسلام الأمن . والأمن الذي ينبع أولًا من داخل الإنسان ، من ذاته ، من إيمانه ويقينه ، حتى إذا استقر في نفس الإنسان انطلق إلى واقعه ومجتمعه ، إلى ميادين الحياة ، إلى الممارسة والتطبيق ، ليضيف الأَمنُ إلى الحرية جمالًا إلى جمال ، ومتعة ، وقوة إلى قوة .

فلا بد إذن أن تتوافر في واقع أَي أُمة خصائص الإيمان والتوحيد ، ووسائل رعاية الفطرة وحمايتها ، ليكون هذا كله أَولَ حقٍّ من حقوق الإنسان . إنه حقٌّ أَهملته الجمعيات والهيئات التي تنادي اليوم بحقوق الإنسان ، وأهملته القوى الديمقراطية التي أَطلقت الأَهواء والشهوات لتنسلَّ خدرًا في العروق يشل قوى الإنسان ويسحق جوهره . ثم يقال له أنت حرّ بعد أن كبّلوه وقيّدوه وخدّروه ورموه في لهيب مضطرم . فمارسوا بذلك أسوأ أنواع الاستبداد والظلم في تاريخ الإنسان .

قد تُخنق الكلمة بتكميم الأَفواه ، أو في ظلمة السجون ، أو تحت سياط القهر والتعذيب . وهذه جريمة كبيرة حين تكون الكلمة حقًا وأمانة وبلاغًا وقوة ، وصدقًا وعبادة وتقوى . ولكن خنق الكلمة في داخل الإنسان وهو طليق جريمة أكبر في حق الإنسان ، لأنها تكون عندئذ جريمة تمتدّ في الأرض على غيبوبة وخدر ، أو هلع وحذر ، لا يكاد يحس بها الناس ، أو يعتادونها فيألفونها ، ويمضي المجرمون في طغيانهم وعُتوّهم واستكبارهم ، حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .

فالأمن الحقيقي الممتد من داخل الإنسان وذاته ،إلى واقعه ومجتمعه ، إلى نظامه وإدارته ، إلى سلطانه ونفوذه وقوته ، هذا الأَمن هو الذي تقوم عليه الحريّة لتكون عبادة لله وطاعة ، وجمالًا في الحياة ومتعة .

واستمع إلى إبراهيم عليه السلام يرُسِّخ هذه القاعدة العظيمة قاعدة إيمان وتوحيد ، وعبودية لله وطاعة، في الحياة البشرية كلها:

(( إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين * وحاجّة قومه قال أَتحاجونّي في الله وقد هدان ولا أَخاف ما تُشركون به إلا أن يشاء ربي شيئًا وسع ربي كلّ شيء علمًا أفلا تتذكرون * وكيف أَخاف ما أشركتم ولا تخافون أَنكم أشركتم بالله ملم ينزل به عليكم سلطانًا فأي الفريقين أَحقُّ بالأَمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون*وتلك حجتنا آتيناهم إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) ) [ الأنعام: 79 - 83 ]

قاعدة العدل الذي يقوم على أساس الإيمان والتوحيد ومنهاج الله:

ولا يستقرُّ الأَمن في واقع الإنسان إلا ساد العدل الحق على أساس ميزان الإيمان أَيضًا:

(( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ) [ النحل: 90 ]

ولا يترك الإسلام العدل والإحسان ، والأَمن وغير ذلك شعارات غير محددة . ولكنه يفصلها حتى تكون حجّة على الناس يوم القيامة ، وحتى تكون ميزانًا دقيقًا أَمينًا يستطيع الإنسان ممارسته في واقعه البشري .

هذه بعض قواعد الحرّية وركائزها في ميزان الإسلام . تنبع كلها من الإيمان والتوحيد المغروسين في فطرة الإنسان ليرويا الفطرة بجميع قدراتها وطاقاتها ، حتى تتوازن هذه القدرات فتؤدي مَهَمَّتها التي خلق الله هذه القدرات لأَدائها ، وليكون عمل الإنسان وعطاؤه حينئذٍ عملًا صالحًا .

9ـ اضطراب معنى الحرّية في واقع المسلمين اليوم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت