ونلاحظ دقّة التعبيرات الربّانية في آيات الله البيّنات وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تدبّرْ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالًا فله ما نوى ) . سار على الدرب بنية فاسدة ذهبت بالأجر من عند الله ، سار على الدرب مع المؤمنين ، على درب في سبيل الله ، حتى لا يظنّ أحد إلا أنه استكمل شروط"في سبيل الله"كلها . ولا ننسى قصة الرجل في غزوة خيبر الذي قاتل مع المسلمين حتى ظنّوا به كل الخير ، فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه من أهل النار . ولما وجدوه بعد ذلك ، رأَوا أنه قتل نفسه غير متحمل الأَلم .
هذا وجه من وجوه الفتنة أو الانحراف ، ومثل على دقة التعبيرات في الآيات والأَحاديث . ولنتدبر الحديثين الأوليين السابقين ( من قتل دون ماله فهو شهيد .. ) ، ( .. من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . لقد جاء التعبير في الحديث الأول: ( من قتل دون ماله ) ، ولم يقل: ( من قتل في سبيل ماله ، ذلك لأن التعبير: من قتل دون ماله ، يتضمن أمورًا معلومة بالضرورة ، فكلمة"من"هنا لا تعني أي إنسان . إنها لا تعني الكافر الملحد ولا المشرك . إنها تعني من قتل دون ماله وهو مؤمن ... ) فالحديث يدور حول عمل المؤمنين الذين توافرت فيهم شروط الإيمان من صدق النيّة وصدق العلم بمنهاج الله . فالمؤمن حين يكون ماضيًا في سبيل الله ، ماضيًا على الدرب الممتد ، يحمل النيّة الخالصة ، متوجهًا إِلى الهدف الأسمى إلى الجنة ، إِلى الدار الآخرة ، إلى رضوان الله ، فإنه يلقى على دربه قضايا متعدّدة قد يضطر إلى أن يقاتل دونها وهو على الدرب الممتد . فقد يقاتل دون ماله كما جاء في الحديث الشريف ، وليس في سبيل ماله . وقد يقاتل دون أرضه ، أو دون أهله ، أو دون وطنه ، وهو على الدرب الممتد يحمل النيّة ماضيًا إلى الهدف الأسمى . فهو لا يقاتل إذن"في سبيل أرضه"، ولكن يقاتل"دون أرضه"، ذلك لأن في سبيل أرضه تعني أن أرضه هي الهدف الأكبر والأسمى ، الهدف الذي لا هدف بعده . وهذا لا يُقرّه التصور الإيماني . ولو استعرضنا الآيات والأحاديث التي جاءت فيها كلمة"في سبيل الله"، لوجدنا أنها تحمل دائمًا النيّة الخالصة والدرب الممتد والهدف الأكبر والأسمى الذي لا هدف بعده ، وهو رضاء الله والجنة . من هنا ندرك عظمة التعبيرات في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة حيث جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قُتل دون ماله ... ) .
لا ننكر أن هذه التعبيرات والمعاني اختلطت في أذهان الكثيرين في واقعنا اليوم ، وبخاصة فيما يتعلق بالأمور المثيرة للعواطف الحبيبة إلى النفوس ، كالوطن مثلًا ، وأمثاله . فقد أصبحت كلمة"الوطن"تتردد على الألسنة وترتفع شيئًا فشيئًا إلى درجة من التقديس ، ثم إلى درجة من العبادة .
فنجد من يقول مثلًا: قاتل في سبيل الوطن أو قُتِل في سبيل الوطن ، يموت في سبيل الوطن ، يَحيْا في سبيل الوطن . فقد كانت المغالاة هنا في استخدام كلمة"في سبيل الوطن"مجانبة دقة التعبير . وعسى أن لا تكون هذه المغالاة أو عدم دقة التعبير مظهرًا لاضطراب التصوّر .
وترتفع المغالاة إلى درجة أعلى عند شوقي ، حتى يجانب الحق والتصور السليم حين يقول:
وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه نازعتني إِليه في الخلد نفسي
وندعو لشوقي بالمغفرة والرحمة ، ولأمثاله ممّن مضوا إلى ربهم الله الذي لا إله إلا هو . ونعتقد أنهم الآن مشغولون بما هم فيه من وراء البرزخ ، لا تنازعهم نفوسهم إلى ديارهم ولا إلى شيء من الدنيا ، ولكنها تجأر إلى الله تسأله الرحمة والمغفرة .
ثم يرتفع تقديس"الوطن"عند خير الدين الزركلي إلى درجة العبادة حين يقول:
لو مَثّلوا لي مُوْطني وَثَنًا لهمْمتُ أعْبُد ذلك الوثَنا
ولقد ألِفَ بعضهم مثل هذه التعبيرات ، حتى أخذوا يبحثون عن مسوّغات فنية أو فكرية ، حين تثير في نفوسهم الحميّة لهذا الأمر من أمور الدنيا أو ذاك ، أو حين يروق لهم ما يسمونه بالجمال الفنّي ، ليطغى على ما تقدّمه التعبيرات من انحراف فكري .
ولقد استُغلّت قضية الجمال الفنّي لتسوّغ الخروج عن الأدب والأخلاق ، والانحراف إلى وحول الجنس وشهوة الجسد ووصف المفاتن . ويدور الخلاف حول قبول ذلك أو رفضه . ويمضي الانحراف ليمتّدَّ وينتشر لا يعوق الخلافُ انتشاره وامتداده .
الأدب الملتزم بالإسلام ، أدب المؤمن ، يحرص على طهارة اللفظة والتعبير ودقتهما ، كما يحرص على طهارة المعنى ، ليخرج الجمال الفني الصادق من جمال اللفظة وطهارتها ، وجمال المعنى وطهارته ، ليصوغ هذا كله جمال الصورة والحركة .
والمؤمن الذي يتلقى الأدب يهتزّ ويطرب لهذا اللون من الجمال الفنيّ ، وينفر من الانحراف في اللفظة والمعنى مهما حمل من زخرف يهيج الحمية الجاهلية ، أو يلهب نوازع الشهوة .