فهرس الكتاب

الصفحة 20023 من 27345

إِن حقيقة التصور الإيماني هو الذي يجعل الولاء الأول لله ينبع منه كل ولاء في الدنيا ، والذي يجعل العهد الأول مع الله ينبع منه كل عهد في الحياة الدنيا ، والذي يجعل الحب الأكبر لله ولرسوله يَنبع منه كل حبٍّ في الحياة الدنيا ، إن هذا التصوّر الإيماني هو الذي يضبط اللفظة والتعبير والمعنى ، ويهب ذلك كله وضاءة الطهارة وإشراقة الفكر ودقة التعبير ، فتجيء الموهبة لتصوغ منه ذلك الجمال الفني المؤثر .

من أجل ذلك كان من قواعد الإيمان والتوحيد أن يكون الله ورسوله أحبَّ إلى المؤمن مما سواهما ، وأن يظهر هذا الحب الأكبر في الكلمة والتعبير في ميدان الأدب وفي ميدان الحياة العامة ، وأن يظهر في القصيدة وسائر أبواب الأدب ، وأن يظهر كذلك في المسعى والسلوك ، وفي الموقف والرأي .

إِن أشياء كثيرة مادية تثير عواطفنا ، وشعارات تلهب مشاعرنا ، ورجالًاُ ينالون حبنا ، ولكنّ المؤمن يستطيع أن يميز بين الحق والباطل ، وأن يظل حبه لله ولرسوله هو الحب الأكبر في جميع حالاته:

( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشدُّ حبًا لله ولو يرى الذي ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعًا وأن الله شديد العذاب ) [ البقرة: 165 ]

وتتوالى الآيات والأحاديث لتؤكد هذه القاعدة الرئيسة من قواعد الإيمان والتوحيد ، وتغرسها في نفوس المؤمنين لتظل كلمتهم ورأيهم ، وسعيهم وموقفهم ، أقرب للتقوى وأقرب لدين الله وشرعه .

نخلص من ذلك إلى أن كلمة"في سبيل الله"كلمة محدّدة المعنى والدلالة ، ترتفع لتأخذ مكانتها العالية الأمينة في الفكر والعاطفة والممارسة . وهي تمثّل نهجًا ممتدًا ودربًا ماضيًا تدل عليه كلمة"في سبيل الله"ثم تمثل الهدف الأكبر والأسمى الذي لا يعلوه هدف ولا يأتي بعده هدف . إنه نهاية الدرب ، الذي يدل عليه اسم الجلالة ـ الله ـ في التعبير"في سبيل الله"، وأن كل هدف أدنى من الهدف الأكبر والأسمى والغاية النهائية لا تصحّ معه كلمة"في سبيل"وإِنما كلمات أُخرى مثل: من قُتِل دون ماله ، أو دون وطنه ، أو دون عرضه . ويكون في هذه المواقف كلها ماضيًا على الدرب نفسه إلى الهدف الأكبر والأسمى . وتصبح كلمة"في سبيل الله"تضبط لنا الفكر والتصوّر ، والشعور والعاطفة ، والسلوك والموقف ، والكلمة والرأي .

وقد يتهاون بعض المسلمين ، حين لا تنضبط كلماتهم ، فيستخدمون في أدبهم نثرًا أو شعرًا كلمات من أهل الكتاب لا تتفق مع التصوّر الإيماني . مثل كلمة"الصليب"يستخدمونها في مواقف القبول والاستحسان .

نسأل الله أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد في نيّتنا وألفاظنا وسعينا ، وفي أدبنا وجهادنا ، إنه نعم المولى ونعم النصير .

إن بلوغ الجنّة يقتضي المضي على هذا الدرب ، على هذا الصراط المستقيم دون الخروج منه أو الانحراف عنه:

( وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) [الأنعام: 153 ]

"في سبيل الله"صراط مستقيم ، ومسيرة مباركة تحمل مسؤوليات وتكاليف ربّانية تنطلق كلها من الإيمان والتوحيد ومن منهاج الله ، لتمثل أهدافًا ثابتة على الدرب ومراحل معيّنة مترابطة ، كلُّ هدف يوصل للذي يليه ويمضي معه ، لتمضي الأهداف كلها معًا ولتقود إلى الهدف الأكبر والأسمى . إن بلوغ الجنّة يحتاج إلى مسيرة جادة فيها جُهد وبذلٌ وجهاد ، وفيها صبر و مصابرة . ولكن هذا يحتاج إلى الإرادة والعزيمة من اللحظة الأولى ، إرادة وعزيمة نابعتين من خشية الله .

"فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل . ألا إنّ سلعة الله غالية ألا إنّ سلعة الله الجنّة ) [ رواه الترمذي والحاكم في المستدرك ] (5) "

"في سبيل الله"مسيرة لا يصح فيها التوقف والقعود . وكيف يبلغ الجنّة من قعد عن التكاليف إلا برحمة من الله . ولا يصحّ فيها الانحراف ، فإنه فتنة وضلال وهلاك . والتوقُف يَفْصِل الأهداف والمراحل ويعطّلها ويعطل المسيرة ، والانحراف خروج عن المسيرة كلها ، عن الأهداف والمراحل والهدف الأكبر والأسمى . ولا يصح السير دون زاد ، فكل رحلة لها زادها ، وكل مسافر يتزوّد ، وزاد المسيرة على درب"في سبيل الله": الإيمان والتوحيد ، وتدبَّر منهاج الله ، ووعيُ الواقع ودراسته من خلال منهاج الله ، فهذا هو الزاد الرئيس ، وعليه يقوم أيُّ زاد آخر ، ولا يصلح الزاد الآخر دونه في هذه المسيرة .

"في سبيل الله"تكاليف ربّانية متّصلة لا ينفصل بعضها عن بعض ، يمضي بها المؤمن على صراط مستقيم ليوفي بالعهد ويؤدّي الأمانة التي حملها ماضيًا من هدف إلى هدف إلى الهدف الأكبر والأسمى ـ الجنّة ورضوان الله والدار الآخرة ـ ، على بصيرة ونور .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت