إنه بالرغم من ادعاء الغرب الموضوعية في المنهج العلمي فقد أصبح من الواضح ــ طبقًا لدراسة"ادوارد سعيد"أنه افتقد هذه المنهجية تمامًا في دراسته للشرق في جميع أدواره ، إذ أصبح الشرق عنده هو الشرق الذي"يصنعه"لأغراض في المعرفة والسلطة ، أو هو الشرق الذي"يشرقنه"على حد تعبير إدوارد سعيد"."
وكما يقول نورمان دارييل ــ حسب الدراسة المشار إليها ــ لم يكن الغرب ليقبل أن ما يقول المسلمون إنهم يؤمنون به هو فعلًا ما يؤمنون به !! . فقد كان ثمة صورة مسيحية ــ أي عن الإسلام ــ لم يتخل الغرب عن تفاصيلها ــ حتى تحت ضغط الحقائق الواضحة
.وكانت جميع التصويبات التي أدخلت ... مجرد دفاع عما كان قد اتضح حديثًا أنه عرضة للنقد .
وقد ازدادت ــ كما يقول د . إدوارد سعيد ــ هذه الصورة المسيحية الصارمة للإسلام حدة وتوترًا بطرق لا تحصى . كان بينها ــ خلال العصور الوسطى - تشكيلة واسعة ..
وبحلول عصر النهضة كان الشرق الأدنى قد أدغم تمامًا في التصور المسيحي للعالم ، على نحو ما حدث في أغنية رولان ، حيث تصور عبادات العرب على أنها تشمل ماهومت ، وأبولو!! .وماهومت في اللفظ الأوربي هو محمد r !!
يقول د. إدوارد سعيد: (! بالنسبة لأوربا كان الإسلام رجة مأساوية دائمة، ولم يصبح الإسلام رمزًا للرعب والدمار والشيطان والبرابرة الممقوتين بصورة اعتباطية )
إن أوربا لكي تمتص هذا الخطر الكئيب حولته (شيئًا منسوجًا في لحمة الحياة الأوربية ، وفى انكلترا - عصر النهضة وحدها كان أي رجل متوسط التعليم والذكاء"يستطيع أن يرى على مسارح لندن عددًا كبيرًا نسبيًا من الأحداث المفصلة في تاريخ الإسلام ) ، والنقطة الهامة في ذلك ــ كما يذكر إدوارد سعيد ــ هي أن ما ظل متداولًا حول الإسلام كان صورة معدلة مصغرة عن تلك القوى الخطرة التي صار الإسلام رمزًا لها في أوربا ."
ومن تلك الصور المعدلة وبتعبير أدق"المشوهة"ــ والتي أثرت على المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام: قياسهم شخصية محمد r على شخصية المسيح ( فقد افترض بطريقة خاطئة تمامًا أن محمدًا كان للإسلام مثل ما كان المسيح للمسيحية ) ومن ذلك: ( إطلاق التسمية"المحمدية"على الإسلام ) . وأصبح التصور المسيحي للإسلام ليس هو الإسلام نفسه بقدر ما هو"تمثيل"الإسلام للمسيحي في القرون الوسطى.
يقول د. إدوارد سعيد في عرضه لقضية"التمثيل"تلك: ( إن الثقافات تميل دائمًا إلى إخضاع الثقافات الأخرى لتحولات كاملة ، متلقية إياها لا كما هي ، بل من أجل مصلحة المتلقي كما ينبغي أن تكون !! ) وتمثيل المستشرق هنا هو تمثيل ( لجوهر لا يؤمن المستشرق بوجوده ذرة من إيمان ، بل إنه يفعل ما يفعل عادة لخدمة غرض ) ثم يقول ( والتمثيلات تشكيلات ــ أو كما قال رولان بارت .. التمثيلات إفساد لتشكيلات) .
إنها عملية تزييف علمية إن صح هذا التعبير
وتستمر عملية التزييف للإسلام ــ في الرؤية الغربية ــ منذ العصور الوسطى إلى اليوم .
يقول د. إدورد سعيد ( هكذا نجد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر تصديقًا عامًا لكون الجزيرة العربية على حواشي العالم المسيحي ملجأ طبيعيًا للهراطقة العصاة .... بينما يأتي مستشرق في القرن العشرين ليشير إلى أن الإسلام ليس في الحقيقة إلا هرطقة آرية من الدرجة الثانية ) .
هكذا في امتداد من القرن الثاني عشر إلى القرن العشرين !
وفى كتاب هام"المكتبة الشرقية"لبارتلمي ديربيلو ــ كتب في آخر القرن السابع عشر وظل المرجع الرئيسي السائد في أوربا حتى أوائل القرن التاسع عشر ، نجده يقول عن محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : ( هذا هو المنتحل المشهور ماهومت ، المؤلف والمؤسس لهرطقة اتخذت لها اسم الدين نسميها نحن"الماهومتية"… وقد نسب مفسرو القرآن ، وفقهاء الشريعة الإسلامية أو الماهومتية إلى هذا النبي المزيف كل المدائح التي نسبها الآريون والهراطقة الآخرون إلى يسوع المسيح مجردين إياه في الوقت نفسه من ألوهيته … !!! ) .هكذا .
وهل يعرف القارئ ماذا فعل"دانتي"فى جحيمه الذي احتفل به نُخبة المثقفين في البلاد الإسلامية في العصر الحديث ، ورأوا فيه هرمًا عاليًا من أهرامات الثقافة الأوربية ، وقمة من قمم الأدب الأوربي والعالمي ، وأخذوا يقارنون بينه وبين رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ، ويعقدون الصلة بينهما دون أن يشيروا ولو من طرف خفي إلى تشويهه وأحقاده العميقة للإسلام وإساءته البالغة لشخصية الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ؟
إنه وضع موميتو - كما يسميه - في الدائرة الأعمق من الجحيم .. فقبل أن يبلغ دانتي إلى موميتو في رحلته في الجحيم يمر عبر دوائر تحتوى على أناس آثامهم من مرتبة أدنى ، حتى إذا وصل إلى موميتو فإنه لا يبقى بعده في الدائرة الأعمق غير يهوذا وبروتس ، ثم يصل إلى قعر الجحيم ، حيث يوجد الشيطان ذاته. !!