فهرس الكتاب

الصفحة 15902 من 27345

ولا نحدثكم عن العقاب الذي فصله تفصيلًا في هذه الدائرة فهو مما لا يطاق ذكره في هذه الإشارات .

وبالرغم من أن سيمون أوكلي في كتابه"تاريخ العرب"الصادر عام1708 قد أعلن دائمًا ( أن الإسلام كان هرطقة مستنكرة ) فقد تم طرده من كمبردج عام 1709 لكشفه لحقيقة كانت صدمة مؤلمة للجمهور الأوربي ، تلك هي: أن الأوربيين يدينون للمسلمين بأول ما عرفوه عن الفلسفة.

والحقد الأكبر لأوربا ضد الإسلام فيما يقوله هنرى بيرس .. يبدأ من ظهور الإسلام إلى اليوم ، إذ كانت نتيجة الغزو الإسلامي الذي بدأ في القرن السابع إزاحة مركز الثقافة الأوربية باتجاه الشمال بعيدًا عن البحر الأبيض المتوسط الذي تحول إلى منطقة عربية .

وقد كان الشرق الإسلامي بخاصة هو الذي تحدى حركة الاستعمار الأوربي في العصر الحديث .

فـ( بالنسبة لأوربا كان الشرق ــ باستثناء الإسلام ــ حتى القرن التاسع عشر ميدانًا ذا تاريخ مستمر من السيطرة الغربية التي لم تجد من يتحداها .. إلا أن الشرق العربي والإسلامي بشكل عام كانا الوحيدين اللذين واجها أوربا بتحد لم تجد له حلًا على الأصعدة السياسية والفكرية ، والاقتصادية أيضًا ...

لقد كان الإسلام استفزازًا حقيقيًا لأوربا بطرق عديدة . فقد كان قريبًا من المسيحية قربًا مقلقًا جغرافيًا وثقافيًا .. وكان بمقدوره أن يفاخر بنجاحات لا تنافس عسكريًا وسياسيًا ، بل إن ذلك لم يكن كل شئ ، فالأصقاع الإسلامية مجاورة للأصقاع التوراتية ، بل حتى فوقها ، وأكثر من ذلك فإن قلب المجال الإسلامي كان دائمًا ولا يزال الإقليم الأكثر قربًا إلى أوربا ..

ومنذ نهاية القرن السابع حتى معركة ليبانتو عام 1571 كان الإسلام في شكله العربي والعثماني أو شمال الإفريقي والأسباني قد طغى على المسيحية الأوربية أو هددها تهديدًا فعالًا ، ولم يكن ممكنًا أن يغيب عن ذهن أي أوربي ــ ماضيًا أو حاضرًا ــ كون الإسلام قد فاق روما إشعاعًا وسما عليها ).

ولم يكن المؤرخ الأوربي الشهير"غيبون"استثناء من هذه القاعدة ــ في كتابه الشهير انحدار"الإمبراطورية الرومانية وسقوطها"ــ إذ يقول عن الفتح العربي الإسلامي:

( غزا هؤلاء الخلفاء الإسلاميون ــ ... خلفاءَ أغسطس وارتاكسيركس ،

وأصبح الملوك المتنافسون في الوقت نفسه فريسة لعدو كانوا لزمن طويل جدًا قد اعتادوا أن يحتقروه

وخلال عشر سنوات من حكم عُمَر ابن الخطاب أخضع العرب لطاعته 36 ألف مدينة وقلعة ، ودمروا أربعة آلاف كنيسة ومعبدًا للكافرين وشيدوا 1400 جامع لممارسة ديانة محمد ( !! )

وعبر مائة سنة من هربه من مكة { هكذا ... } امتد نفوذ خلفاء محمد (!!) وسلطانهم من الهند إلى المحيط الأطلسي عبر الأقاليم المختلفة والنائية ..)

وفى التاريخ الحديث ها هو نابليون يعتمد في حملته على مصر على دراسات كونت دوفولني ــ وهو رحالة فرنسي نشر كتابه"رحلة إلى مصر وسورية"في مجلدين عام 1787 م ، وكان فولني يرى: أن ثمة ثلاثة حواجز في وجه السيطرة الفرنسية في الشرق ، وأن أية قوة فرنسية لابد أن تحارب لذلك ثلاثة حروب: الأولى ضد انكلترا ، والثانية ضد الباب العالي العثمانى ، والثالثة: وهى أكثرها صعوبة: ضد المسلمين !! .

ولقد آمن فيكتور هوجو مؤلف البؤساء بمجد نابليون التكتيكي في حملته الشرقية ، وجسده في قصيدة رآه فيها:

ابن المعجزة الذي أذهل أرض المعجزات …

وملأ الناس خوفًا بجيوشه التي لم يكن لها سابق …

ونبيلًا جليلًا ظهر للقبائل المذهولة … مثل"ماهومت"غربى.

أما كتاب"وصف مصر"الذي كان الثمرة العلمية للحملة الفرنسية ــ التي يفخر بها بعض المثقفين المصريين إلى اليوم ــ والذي طبع في ثلاثة وعشرين مجلدًا ضخمًا بين عامي 1809 و 1828 م ، فإن الدكتور إدوارد سعيد يرى فيه ( المصادرة التملكية العظيمة لبلد من بلد آخر ) ، حيث انطلق الباحثون من تصور عبر عنه فوربييه في مقدمته للكتاب من أن مصر بلد ( غارق الآن في البربرية ) تغزوه ( حضارة بلغت حد الكمال ) ، الأمر الذي دفع الكاتبين إلى أن يكتبوا من منظور سابق: فأخذوا ( يشكلون من كل ملاحظة جزئية تعميمًا ، ومن كل تعميم قانونًا لا يتغير للطبيعة الشرقية ) ، وبهذا ( يزيح الكتاب .. التاريخ المصري أو الشرقي عن موضعه من حيث هو تاريخ له تماسكه الداخلي والخاص ، وهويته ومعناه ) وصار"وصف مصر"كما يقول إدوارد سعيد: ( النمط الأعلى لجميع الجهود التالية التي بذلت لتقريب الشرق من أوربا ومن ثم لامتصاصه نهائيًا ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت