ثناءٌ على الله بما أنعَمَ علينا وما أعطانا. الثّناءُ حقٌّ لله سبحانه، هو المستحِقّ للحَمدِ لعميم نِعَمه وتنوعِ آلائه على العباد. فالحمدُ فيه معنى الاعترافِ أي إقرارٌ مِنَ العبدِ بتقصيرهِ وفقرة وحاجتِه. واعترافٌ للهِ جلّ وعلا بالكمالِ والفضل والإحسان، وهذا من أعظمِ ألوانِ العبادة؛ ولهذا قد يعبُد العبد ربَّه عبادةَ المعجَبِ بعمَلِه فلا يقبَلُ منه؛ لأنَّ الإعجابَ لا يتَّفق مع الاعترافِ والذّلِّ، ولا يدخل العبدُ على ربِّه من باب أوسَعَ وأفضل من بابِ الذّلِّ له والانكسار بين يدَيه سبحانه؛ ولهذا كان نبيّنا، صلى الله عليه وسلم، كثيرَ الاعتراف لله على نفسِه بالتَّقصير والظلمِ، يقول:"اللّهمّ إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفِر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنّك أنت الغفور الرحيم". أخرجه البخاري ومسلم.
الْحَمْدُ لِلَّهِ شُعورٌ يفيض به قلبُ المؤمِنِ بمجرَّدِ ذكرِه لله، فإنَّ وجودَه ابتداءً ليس إلاّ فيضًا مِن فيوضاتِ النِّعمة الإلهية التي تستوجب الحمدَ والثناءَ، في كلِّ لمحةٍ في كلِّ لحظةٍ في كلِّ خُطوة تتوالى آلاءُ الله على العبد وتتواكب وتغمُر خلائقَه كلَّها وخاصّةً هذا الإنسان، ومن ثَمَّ كان الحمدُ لله ابتداءً وكان الحمد لله ختامًا دليلَ الإيمان، وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ [القصص:70] .
ومع هذا يبلُغ من فضلِ الله سبحانه على عبدِه المؤمن أنه إذا حمِد الله حمدًا يليق بجلالِه كتبَها له حسنةً ترجحُ كلَّ الموازين، فعن عبد الله بن عمَرَ، رضي الله عنهما، أنَّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حدّثهم:"إنَّ عبدًا من عبادِ الله قال: يا ربِّ لك الحمدُ كما ينبغِي لجلال وجهِك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء، وقالا: يا ربَّنا إنَّ عبدَك قد قال مقالةً لا ندرِي كيفَ نكتبُها، قال الله عزّ وجلّ وهو أعلم بما قال عبدُه: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربِّ، إنّه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهِك وعظيم سلطانك، فقال الله عزّ وجلّ لهما: اكتبَاهَا كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزِيَه بها) [3] ."
2.لفظ الجلالة (الله)
هو الاسمُ الأعظم للهِ عزّ وجلّ على قولِ طائفةٍ مِن أهلِ العلم، الذي تلحَق به الأسماءُ الأخرى، ولا يشاركه فيه غيره. ومن معاني (الله) أنه الإله أي المحبوب المعبودُ المتفرِّد باستحقاقِ العبادة.
3.رَبِّ الْعَالَمِينَ
أي: ربّ كلِّ شيءٍ وخالقه والقادِر عليه، كلُّ ما في السموات والأرض عبدٌ له وفي قبضَتِه وتحت قَهرِه.
4.الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اسمُ الرحمن لا يُسمَّى به غيرُ الله، فالله والرّحمن من الأسماء الخاصّة به جلّ وعلا، لا يشاركه فيها غيرُه، أمّا الأسماء الأخرى فقد يسمَّى بها غير الله كما قال سبحانه عن نبيِّه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] . والرّحمن والرّحيم مأخوذان منَ الرّحمة، فالرّحمن رحمةُ عامّة بجميع الخلقِ، والرّحيم رحمةٌ خاصّة بالمؤمنين. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صِفةٌ تستغرِق كلَّ معاني الرحمةِ وحالاتها ومجالاتها، تتكرَّر في صُلب السّورة في آيةٍ مستقلَّة لتؤكِّدَ السّمَةَ البارِزة في تلك الرّبوبيّة الشاملة.
5.مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
وقُرئ مَلِكِ، والفَرقُ بين الوصفَين بالنّسبة إلى الربِّ سبحانه أنّ الملِك صِفةٌ لذاتِه والمالِكَ صِفةٌ لفِعلِه، ويومُ الدين يومُ الجزاء من الربِّ سبحانه، وهو يوم يدين الله العبادَ بأعمالهم أي: يجازِيهِم بها.
6.إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
أي: نخصُّك بالعبادة، ونخصّك بالاستعانة، لا نعبد غيرَك، لا نطلُبُ إلاّ عونَك، لا نستعِين بغيرك، لا نستَغني عن فضلِك طرفة عين، وقدِّمت العبادة على الاستعانَةِ لكون الأولى وسيلةً إلى الثانية، وقرِنَت العبادةُ بالاستعانة للدّلالة على أنَّ الإنسانَ لا يستطيع أن يقومَ بعبادةِ الله إلاّ بإعانةِ الله له وتوفيقِه، وهو إقرارٌ بعجزِ الإنسان عن القيامِ بالعباداتِ وعن حملِ الأمانةِ الثَّقيلة إذا لم يُعِنه الله، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه) [الأعراف:43] .