قال ابن القيِّم رحمه الله، في الطب النبوي:"إنَّ موضعَ الرّقيَةِ منَ السورة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ولا ريبَ في أن هاتين الكلِمَتين من أقوى أجزاءِ هذا الدواء؛ فإنَّ فيهما من عمومِ التّفويضِ والتوكُّل والالتجاء والاستعانةِ والافتقار والطّلَب والجمع بين أعلَى الغايات ـ وهي عبادةُ الربّ وحدَه ـ وأشرفِ الوسائل ـ وهي الاستعانةُ به على عبادته ـ ما ليس في غيرِها، وتأثيرُ الرُّقَى بالفاتحَةِ وغيرِها مِن علاج ذواتِ السّموم سِرٌّ بديع، ونفسُ الراقي تفعل في نفسِ المرقيّ، فيقع في نفسِها فِعلٌ وانفعال كمَا يقَع بين الداءِ والدّواء، فتقوَى نفس الراقي وقوَّتُه بالرّقيَة على ذلك الدواء، فيدفعه بإذن الله"[.
7.اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
دعاءٌ صريح، حظُّ العبد من الله، وهو التضرُّع إليه والإلحاح علَيه أن يرزقَه هذا المطلبَ العظيم الذي لم يُعطَ أحدٌ في الدّنيا والآخرة أفضل منه، كما منَّ الله على رسوله بعدَ الفتحِ بقوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح:2] . أي: قوِّ هدايَتَنا، وفِّقنا إلى معرفةِ الطريق الصحيح والاستقامةِ عليه، ثبِّتنا حتى لا ننحرفَ أو نزيغَ عنه، فقد يكون الإنسانُ اليومَ مهتديًا وغدًا من الضالّين.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ،هو الدعاءَ الوحيد المفروضٌ على المسلم قولُه، فيتوجَّب على المسلم قولُه عِدّةَ مرّات في اليوم، وهذا يدلّ على أهمّيّة الطّلَب وأثرُه في الدنيا والآخرة. وفي قوله: اهْدِنَا ولم يقل:"اهدِني"تربِيةٌ للمسلم على تذكُّر إخوانِه وتقوية معاني الأُلفة، وفيه إِزالةٌ لمشاعِرِ الأثَرَة والأنانية، فكما أنّك تحبّ لإخوانِك ما تحبّ لنفسك فادعُ لهم بما تدعو لنفسِك. والاجتماعُ على الهدى مطلَبُ المؤمِنين، وكَثرةُ السّالكين أُنس وثباتٌ للسّائرين، والسّالِكُ وحدَه قد يضعُف وقد يملّ أو يسقُط أو تأكلُه الذّئاب.
8.صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
وهم رسولُ الله وأصحابُه، يعني: الذين حازوا الهدايةَ التامّة ممّن أنعم الله عليهم من النّبيِّين والصِّدِّيقين والشّهداءِ والصالحين، ولا يخرُج المكلَّفون عن هذه الأصنافِ، فكلُّ الخَلقِ ينتمي لواحدٍ من هذه الأصناف: الذين أنعَم الله عليهم هم الذين سلَكوا الصراطَ المستقيم وعرفوا الحقَّ وعمِلوا بمقتَضَاه، أمّا الذين عرَفوا الحقَّ وخالفوه فهم المغضوبُ عليهم، والعامِلون بلا عِلمٍ هم الضالّون، قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104] . قدِّمَ المغضوبُ عليهم على الضّالّين لأنَّ أمرَهم أخطر وذنبَهم أكبَر، فإنَّ الإنسانَ إذا كان ضلالُه بسبَبِ الجهل فإنّه يرتفِع بالعلم، وأما إذا كان هذا الضّلالُ بسبب الهوَى فإنّه لا يكاد ينزِع عن ضلاله، ولهذا جاء الوعيد الشديدُ في شأنِ من لا يعمَل بعَمَلهِ.
9.غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ، خاتمةُ سورةِ الفاتحة
هي مناسِبَة لكلِّ ما ورد في السّورة من أوَّلها إلى آخرها، فمَن لم يحمَدِ الله تعالى فهو مغضوبٌ عليه وضالّ، ومن لم يؤمِن بيومِ الدِّين وأنَّ الله سبحانه وتعالى مالِكُ يومِ الدّين ومَلِكه ومَن لم يخصَّ الله تعالى بالعبادةِ والاستعانةِ ومن لم يهتدِ إلى الصراط المستقيم فهم جميعًا مغضوبٌ عليهم وضالّون.
اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارض عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وبقية الصحب والآل الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
[1] أخرجه الترمذي في التفسير (3125) ، والنسائي في الافتتاح (914) ، وعبد الله في زوائد المسند (5/114) بنحوه، وصححه ابن خزيمة (500، 501) ، وابن حبان (775) ، والحاكم (2048) ، وهو في صحيح سنن الترمذي (2499) .
[2] أخرجه أحمد (4/315) ، وأبو داود في الصلاة (932) ، والترمذي في الصلاة (248) ، والنسائي في الافتتاح (879) ، وابن ماجه في الصلاة (855) ، والدارمي في الصلاة (1247) ، وحسنه الترمذي، والنووي في المجموع (3/369) ، وصححه الدارقطني (1/687) ، وابن حبان (1805) ، وهو في صحيح سنن الترمذي (205) .
[3] سنن ابن ماجه: كتاب الأدب (3801) ، وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير (12/343) والأوسط (9249) ، والبيهقي في الشعب (4/94) ، وأورده الألباني في ضعيف الترغيب (961) .