وفي سوريا قدم عشرات الألوف من الشباب المسلم روحه رخيصة في سبيل الله عزوجل ، ليخلص سوريا من الطاغوت الذي أراد أن يقضي على الحركة الاسلامية في بلاد الشام كافة ، أراد أن يكمل المخطط الذي بدأه طاغوت عربي قبله ومات قبل أن يكمل مهمته كلها ، أراد الطاغوت السوري أن يقضي على رغبة المسلمين في بلاد الشام في الالتزام بالاسلام عقيدة وشريعة وعبادة ونظام حياة كما أراده الله عزوجل ... وقرر الطاغوت أن هؤلاء الاسلاميين لاتجدي معهم إلا التصفية الجسدية ، وقدصرح بذلك في المؤتمر السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي ، وقال: أما الإخوان المسلمون فلاتنفع معهم إلا التصفية الجسدية ... وبدأ مشروعه في التصفية الجسدية ...
وكانت المذبحة الجماعية الأولى التي نفذها كبير المجرمين رفعت الأسد في سجن تدمر في أوائل صيف (1980) ، كانت هذه القافلة الأولى من قوافل الشهداء السوريين ، يرحمهم الله تعالى ، ونسأله أن يتقبلهم مع الشهداء والصديقين والأنبياء وحسن أولئك رفيقًا ... ألف أو يزيد من خيرة أبناء الشعب السوري ، قتلوا رشًا بالرصاص في زنزاناتهم ، وفي مهاجع سجن تدمر ، ثم حملوا بالشاحنات ـ وبعضهم مازال حيًا ـ ودفنوا في إخدود جماعي قرب جبل عويمر عند تدمر .. .. قتلوا ودفنوا كما قتل ودفن أهل الأخدود الذين خلد الله عزوجل ذكرهم: [ والسماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ، قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على مايفعلون بالمؤمنين شهود ، ومانقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ] ، ومن هؤلاء أصحاب الأخدود ، امرأة تحمل رضيعًا لها ، هابت النار ، وخافت على وليدها الرضيع ، عندما ساقها جلاوزة الأمن يومذاك ( والمخابرات العسكرية ) ، كي تقتحم النار ، وترمى نفسها في الأخدود ، هابت وتراجعت ، ولكن الرضيع نطق وقال: يا أماه لاتخافي إنك على حق ...
قوافل الشهداء:
وتتالت قوافل الشهداء في سوريا ، في حماة ( 1981) ، و (1982) وفي جسر الشغور ، وادلب ، وحلب ، وكانت أكبر هذه القوافل مجزرة تدمر المستمرة ، حيث نفذ حكم الإعدام بقرابة ( 23 ) ألفًا من خيرة أبناء الشعب السوري ، يرحمهم الله تعالى ، ونحسبهم شهداء ولانزكيهم على الله ، ولنستمع للأخ محمد سليم حماد يصف لنا إقبالهم على الموت في سبيل الله: يقول محمد سليم حماد في كتابه ( تدمر شاهد ومشهود ) :
( وما لا ينسى من أيام عام 1984 المريرة أننا شهدنا فيها أحد أكبر عمليات الإعدام الجماعي إن لم تكن أكبرها على الإطلاق . فبعد انقطاع تنفيذ الأحكام عدة أشهر في تلك الفترة فوجئنا بالمشانق تنصب ذات يوم في الساحة السادسة بأعداد كبيرة ،وراح الزبانية يخرجون من الإخوة المعتقلين فوجًا إثر فوج إلى حتفهم . يومها قدّر الإخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري من خلال شق في الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة ، كان من بينهم كما بلغنا الأخ يوسف عبيد من دمشق .
وفي مهجع السل 23 بالباحة الرابعة حيث كان قد اجتمع على إخواننا هناك كَرْبُ السجن وكَرْبُ المرض أخرج الشرطة يومها أخًا مسلولًا من حلب اسمه يوسف عبارة للإعدام . فلقد نادوا الأخ رحمه الله إلى لقاء ربه قبيل صلاة الفجر . فهرع وصلى مع الإخوة الفريضة ثم ودعهم ومضى إلى منيته مقبلًا على الله . وكان من نزلاء المهجع نفسه أخ شاعر موهوب تفجرت مشاعره عندما أبصر الإخوة يساقون رتلًا طويلًا إلى المشانق ، وانسابت مع دموعه ودموع إخوانه قصيدة رقيقة له حفظناها جميعًا وأخذنا ننشدها منذ ذاك يقول فيها:
وسار موكب الجناز في الصباح * مخلفًا وراءه الجراح * و راسمًا مسيرة الكفاح
فلا حياة دونما سلاح * من قبلها نادى المنادي هاتفًا مجلجلًا * حي على الفلاح .. حي على الفلاح .
وسار موكب الشباب في خشوع * لم يعرفوا لغير ربهم خضوع * عيونهم تضيىء كالشموع * تقول للأجيال لا خضوع * من قبلها نادى المنادي هاتفًا مجلجلًا
حي على الفلاح .. حي على الفلاح .
وداع الأشقاء
وتتابع نصب المشانق وتكرر مشهد الزهرات تساق إلى حتفها على أيدي الزبانية الطغاة . وكان من أشد المشاهد إيلامًا كما بلغني يوم أن سمع أخ من بيت العابدي من دمشق اسم أبيه يطلب للإعدام من مهجع مجاور . ورآه يساق أمام عينيه من خلال ثقوب الباب فتزهق روحه على حبل المشنقة . وكان الولد قد اعتقل مع أبيه وهو ابن خمسة عشر عامًا في مرحلة دراسته الإعدادية !
ولم يكن أقل إيلامًا يوم أن طلبوا فيما بعد اثنين من الشباب المعتقلين معنا للإعدام هما طريف حداد وملهم الأتاسي وكلاهما من حمص . وكان معهما في نفس المهجع شقيقاهما بشار حداد ومطاع أتاسي . وعندما تقدم بشار ليودع أخاه طريف ثابت الجنان قال له: اثبت واصبر .. واللقاء في الجنة . والحمد لله أن رزقك الشهادة . ولا تنسانا من الشفاعة .