فهرس الكتاب

الصفحة 12592 من 27345

وقد أشار إلى هذه الظاهرة المفكر الجزائري مالك بن نبي، ولا نجد تفسيرًا لها أجود مما قدم حيث قال:( لمشكلات الإنسان طبيعتها الخاصة ـ فهي تختلف اختلافًا كليًا عن مشكلات المادة، بحيث لا يمكن أن تطبق عليها دائمًا حلول تستقى براهينها من الخارج ...

فجميع أنواع الحلول ذات الصبغة الاجتماعية التي نقتبسها عن بلاد أخرى ثبتت لها فيها صلاحيتها ... هي صحيحة في هذه البلاد على وجه التأكيد ولكنها تقتضي عند التطبيق عناصر مكملة لا تأتي معها، ولا يمكن أن تأتي معها. ولا يمكن فصلها عن المحيط الاجتماعي في بلادها، أي لا يمكن فصلها عن الذات وتحديد الهوية، على ضوء الخبرة الماضية، وحيث يمثل أصلًا يجتمع عليه أفراد هذه الجماعة ويشعرون عن طريقه بالانتماء. ) (2) تلك هي النظم الاجتماعية والقيم السلوكية التي أصبحت راسخة في تكوين النفس الإنسانية، فانطبعت عليها أعرافه وتقاليده حتى بلغت ( مبلغ الطبيعة الثابتة والصفة الموروثة يمارسها المخلوق بالضرورة والطبع. ) (3) على الرغم من أن اجتماعية البشر مكتسبة وليست غريزية. ولكن حدوثها أو وجودها بشكل منتظم عند جميع أفراد المجتمع يجعلها تبدو وكأنها فطرية لا مكتسبة.

هذا التراث تبالغ المجتمعات عادة في احترامه وتقديسه كما توارثوه أبًا عن جد وكابر عن كابر. وهذا بالطبع عنصر محافظة لديمومة المجتمع في شكل أعراف وتقاليد ما دام الأشخاص لا يدومون. فالتراث إذن وسيلة من وسائل حفظ النوع الذي فطر الإنسان عليها، ولذلك قالوا ( من شب على شيء شاب عليه ) . ( الإنسان ابن العادة ) (4) .

ولذلك معناه أن أصالة أي شعب من الشعوب صفة نابعة من دواخله، صفة يتميز بها عن غيره بل ويعرف بها في كثير من الأحيان. وهذا لا يعني أن تكون حياة الناس جامدة في قوالب لا تتغير بظروف الزمان وظروف المكان ولكن يظل الأصل ثابتًا مهما تغيرت الأشكال والأنماط. والأصل دائمًا صبغة تصطبغ بها الأشكال المختلفة في التصورات وأنماط السلوك، فكلما قارب الأصل أو كان انعكاسًا له مباشرة كانت درجة أصالته عالية وقمتها هي تلك التي تنبع من صميم ثقافة الشعب العامة مخاضًا وميلادًا.

إذن الأصالة درجات وتنعكس مباشرة على الشكل والمضمون، وبالتالي تكون هي الأصالة المتقدمة والمتفردة والتي تماثلها أو تدانيها أصالة أخرى. فالشكل والمضمون في هذه الحالة نتاج طبيعي لفكر الشعب المعين وجهده، وكلما تغيرت حياته بتغير الظروف تغير الشكل دون المضمون لأنه يظل مرتبطًا بتصورات الناس العامة في الحياة، معتقداتهم وتقاليدهم ومثلهم ... الخ.

وقد تتعدد الأشكال والصور، لكن المنطلق واحد. وهو منطلق نابع وصادر عما هو ثابت في ضمير الأمة ووجدانها. هذا ومن المعلوم أن التعدد يأتي فتتطور الأشكال وتتجدد، وبذلك تنشأ الحضارات.

التأصيل:

وهنالك أنواع أخرى من الأصالة أقل درجة من التي سبق الحديث عنها. فإن ضرورات التغيير الملحة عادة ما تفرض على المجتمع التخلي عن كثير مما فيه من أعراف وتقاليد ولكنها لا تفرض إلغاء التراث أو استئصال الثقافة والهوية، وإنما تؤدي الاستجابة بالضرورة إلى ابتداع صيغ توفيقية ملائمة ( فتتحقق الازدواجية التي يتعايش في إطارها القديم والجديد ) (5) . وهنا نجد بعض الشعوب تستعير من غيرها الأشكال والصور والمؤسسات لتبلغ بها حاجة من الحاجات المستجدة لديها، ولكنها لا تتعامل معها تعامل القرود، فهي لا تقلد التقليد الأعمى بل تتأثر وتؤثر فيه. وقد تتكيف بها من غير أن تصاب في هويتها أو وجهتها الحضارية. فتظل ثقافة الأمة هي الموجهة لكل مناشط الحياة ولا يمنع ذلك أن تتغير الأدوات والأساليب بها ولكن تظل الدوافع والغايات محكومة بتصورات الحياة الخاصة بهذه الأمة، أو ذلك الشعب روحها. ( هل يمكن أن ندين كل اقتباس؟ لا بل بشرط أن نرد الحل المستعار إلى أصول البلد المستعيرة ) (8) .

ورد الحل المستعار إلى أصول البلد المستعيرة يعني فيما يعني أن نهيئ المحيط اللازم لتطبيق ما نتصور من حلول لمشكلاتنا الاجتماعية فنأخذ الوافد من أساليب وأشكال ثم نستوعبه ونصيغه بصبغة قيمنا حتى نجعله مناسبًا للبيئة الجديدة التي أستعير إليها.

ولكن المجتمع الذي لم يستطع الابتداع لسبب أو لآخر، فيلجأ إلى الاستعارة مشكلته معقدة ومركبة. فالاستعارة يصعب توطينها ومن ثم تأصيلها بمستوى رفيع من الوعي. وإن محاولة التأصيل هذه تجيء لتجاوز أزمة اجتماعية خطيرة. وهي أزمة حضارية في المقام الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت