فهرس الكتاب

الصفحة 12446 من 27345

والمُتَعَوِّدُ من الكتّاب الإطالةَ والاستيعابَ يَشْعُرُ بتقصير وذنب إذا أَوْجَزَ؛ لأنّه عند الإيجاز يُضْطَرُّ أن يُغْفِلَ بعضَ الجوانب، ويتجاهل بعضَ النواحي اللازمة، ويشير عند الإيضاح، ويُجْمِل لدى التفسير، ولايقول بعضَ ما يوَدُّ أن يقولَه، ولايُفَصِّل بعضَ النقاط التي تبقى غامضةً إذا لم تُفَصَّلْ. القولُ الفَصْلُ المُوَسَّع المُشْبِع المُتَكَامِلُ الْجَوَانِب، لايَعْدِلُه القولُ المُوْجَزُ القصير غيرُ المشْبِع.

على كلّ فكلا الفريقين: الموجر والمطيل، لايقدر على أن يسير في غير مسيره، وأن ينحو غير منحاه الذي ألفه، وعاش عليه، ومشى فيه، وعرف نجاده و وهاده، وجميعَ مُنْعَطَفَاتِه؛ فسَهُلَ عليه السيرُ فيه، والجريُ عليه، وجوبُه إلى المنزل المنشود.

والراغبُ من القرّاء في قراءة المُوْجَزَات، لئن سَرَّه أنه يتمكن من قراءتها بكاملها، لكونها مستهلكة لقليل من الوقت، فإنّه يحزنه أنّه لايعرف التفاصيل وأبعادَ الموضوع وخلفيّات الواقع التي تدور حوله مقالة موجزة أو عجالة سريعة. إنّ الإيجاز ولإطالة كلاهما لئن يصحا في موضعهما، فإنّ الأول جانبه السيّء أنه لايشبع ولا يغني من جوع وظمأ، والثاني ينقصه أنه قد يجعل القارئ يسأم ويفقد الهمة؛ فيقعد عن إنهاء المقالة قراءةً، واستيعابها دراسة.

فالمُطِيلُ ينبغي أن يبقى على الإطالة؛ لأنها أكثر نفعًا وأقل ضررًا. والمُوْجِزُ، ينبغي أن لاينحرف عن مساره الإيجازي؛ لأنّه يُشَجِّع القارئ، ويُجَرِّؤُه على التقاط المكتوب المنشور بنظرة خاطفة وتصفيحة عاجلة.

الإيجاز أو الإطالة، ليس بدوره جميلًا جديرًا بالتقليد والتبنّي، وإنما يحسن في مكانه، ويجمل في مناسبته. وقد يكتسب كلٌّ منهما الجمالَ بلباقة الكاتب، وإتقانه وتصرّفه البارع مع مضامين الإيجاز أو الإطالة. الكاتب الذي أَتْقَنَ الإيجازَ، في الأغلب لايتقن الإطالةَ. وبالعكس فالبارع في فن الإطالة لايُحْسِن التصرفَ في فن الإيجاز. وقليلًا ما يكون الكاتب بارعًا في الإطالة والإيجاز كليهما .

كثيرًا ما طَلَبَ إليّ بعضُ الإخوانُ أن أؤثر لهم الإيجازَ في الموضوعات التي سَمَّوْهَا . قلتُ لهم: هاتوا الوقتَ أُوتِكم الإيجازَ . لماذا تودّون منّي أن أَمْشِيَ الممشى الذي لم أتعلّمه أو لم أتعوّده. إنّي أودّ أن أمشي على الطريق الذي مشيت عليه - ولا أزال - منذ أكثر من ثلاثين سنة، وأنا اليوم في مطلع العقد السادس من عمري؟.

الخضوع لرغبات جميع الإخوان صعبٌ للغاية بل مستحيلٌ . إنك إذا أرضيت فريقًا ، أسخطت فريقًا. وصدق من قال: رضا الناس شيءٌ لايُطْلَب أو غايةٌ لاتُنَال . فلنمضِ في الطريق الذي آثرناه، ولنعمل ما أتقنّاه؛ لأنه هو أسهل ما نستطيعه من أعمال الحياة .

(تحريرًا في الساعة 12 من ضحى يوم الأربعاء: 10/جمادى الأولى 1427هـ = 7/يونيو2006م)

أبو أسامة نور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت