يقول الدكتور صبري القباني في كتابه الأول من سلسلة [طبيبك معك] : إن الدماغ يستطيب تنوع الأبحاث. فينسجم ويستعيد استساغة الفكر.. والتفكير ذو النمط الواحد يكده ويجهده .. مثله في ذلك مثل الأذن تمج النغم الواحد المتواتر .. ومثل عضلات القدم التي يرهقها هبوط المنحدر السحيق، كما يضنيها صعود المرتقى الطويل..لذلك يجب أن نقدم لأدمغتنا دراسات منوعة لتحتفظ بجدتها ونشاطها.
من هنا نلاحظ أن الذين ينصرفون إلى المطالعات [الروحية أو الأدبية] فحسب يصابون بالانعزالية والانطوائية .. كذلك الذين يعكفون على البحوث العلمية المجردة ولا يقدمون للعقل أغذيته الأخرى الضرورية قد يقعون فريسة عوارض عصبية ونفسية جامحة .
وحتى يتحقق للعقل اتزانه وعمقه يجب أن ينفتح على كل ما في الحياة من معرفة وعلم وثقافة، يأخذ منها بقدر.. ويدع منها بقدر، وفي حدود ما يستسيغه التصور الإسلامي السليم .. والعقلية الإسلامية لا يمكن أن تكون إسلامية صافية ما لم تطل على العالم من نافذة الإسلام.. تفكر وتقدر، تستحسن وتستقبح، توازن وتقارن، كل ذلك على ضوء الإسلام، ووفق أصوله وقواعده.
النفسية الإسلامية: والنفسية الإسلامية ثاني مقومات [الشخصية الإسلامية] بل هي الانعكاس الحسي لتفاعل الفكرة الإسلامية وأثرها في حياة الفرد .. فميول الإنسان وغرائزه مربوطة ارتباطً وثيقًا بمفاهيمه وتصوراته الفكرية .. ومن هنا كانت النفسية الإسلامية هي الكيفية التي يمارس الداعية على ضوئها غرائزه وميوله وحاجاته العضوية.
وقد يكون من أهم ما تجب العناية به، ووضع المناهج له؛ تحويل المفاهيم والأفكار الإسلامية إلى سلوك وخلق أي إلى نفسية إسلامية . وهذا ما يفرض إحكام الربط بين العقلية والنفسية أي بين التفكير والتطبيق .. لقد ندد الإسلام بانفصال [جزئي الشخصية] عن بعضهما البعض فقال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [2] 'سورة الصف'.
وحتى تستقيم النفس على قواعد الإسلام التوجيهية والتشريعية، فلا يطغيها ترخص، أو يشقيها تكلف، ينبغي أن يراعي في ترويضها العوامل التالية:
لا تفريط ولا إفراط: حرص الإسلام من أول يوم على رد النفس البشرية إلى فطرتها .. وفق منهج دقيق متناسق يحفظ للروح والعقل والبدن حقوقهم من غير تفريط ولا إفراط .. وعلى هذا الأساس ينبغي أن تروض النفس .. فتنشأ نشأة طبيعية، وتنمو نموًا فطريًا لا إسراف فيه ولا إسفاف .. ومثل الذين يسرفون في حقوق أرواحهم كمثل الذين يسرفون في حقوق أبدانهم سواء بسواء، أولئك لا يمكن أن تستقيم شخصيتهم وتتزن وفق مقاييس الإسلام وأصوله.
فالداعية الموفق هو الذي يتابع قلبه بما يصلحه ويزكيه وينقيه، ولا يغفل عن مراقبة نفسه، ولا يقصر في محاسبتها .. عملًا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: [الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ] رواه الترمذي وابن ماجه. وإلى ذلك أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيأوا للعرض الأكبر] .
وهو إلى جانب ذلك لا يبخل على بدنه بما أحل له من طيبات المأكل والمشرب والملبس، حسبه في ذلك قول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ... [32] { 'سورة الأعراف'.. } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ... [33] 'سورة الأعراف' .
صحيح أن النفس أمارة بالسوء .. وأنها بحاجة إلى ترويض وإحجام حتى يسلس قيادها .. ولكن كما أن لنا عليها واجبات، فإن لها علينا حقوقًا .. ومن طالبها بواجباتها سألته حقوقها، ومن حرمها حقها جمحت به وأردته .. وهذا ما ينطق به مدلول الآية الكريمة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... [286] 'سورة البقرة'. ويقول الأستاذ سيد قطب في تفسير هذه الآية: [هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنسانًا، لا حيوانًا، ولا ملكًا، ولا شيطانًا .. تعترف به كما هو بكل ما فيه من ضعف، وكل ما فيه من قوة .. وتأخذه وحدة مؤلفة من جسد ذي نوازع، وعقل ذي تقدير، وروح ذي أشواق.. وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق. وتراعي في التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات] .