ولولا أن الإنسان مخلوق يلج في العناد ويسترسل في التكذيب ، غير ملقٍ بالًا إلى ما يستند إليه من حجة وعقل ومنطق ، لولا ذلك لكان بعض ما مضى كافيًا لكي يحمل الناس على الإقرار بيوم القيامة ، وبأن الناس معروضون على الله وبأن كشف الحساب لا بد أن يقدم هناك . وأنا في غنى عن إعادة القول بأن إلحاح القرآن على تأكيد يوم القيامة وغرسه في جذر قلوب المؤمنين أمر ضروري ، لأن الإنسان الذي لا يؤمن بمرد ولا بمعاد إنسان لا خير فيه ، لأنه هو والبهيمة السارحة سواء ، بل لعل البهيمة أقل أذى وأقل شرًا من الإنسان الذي لا يؤمن بالله وبحتمية الحساب بين يدي الله تعالى ، وما أصدق قولة الشاعر العربي القديم:
وليس الذئب يأكل لحم ذئب ويأكل بعضنا بعضًا خيانة
فالإنسان الذي لا تشده إلى قواعد الحق والعدل وأصول الخير أسباب تتصل باليقين بالله ، وبحتمية المصير إلى الله ، إنسان فاتك أقرب إلى أن يكون شيطانًا رجيمًا .
هذه السورة التي نواجهها الآن سورة تدور حول ذات المحاور ، لكن لها مذاقًا خاصًا ولها جرس خاص ، وحسبنا أن نلتفت إلى فواصل السورة ، ولعلي لا أبالغ إذا قلت: إن امرأ لم يتضلع بعلوم اللغة العربية ولم يفقه أسرار اللسان الذي نزل به القرآن لو تلوتَ عليه هذه السورة لشعر من موسيقاها ومن تقطيع فواصلها ومن جرس كلماتها أنه أمام شيء رهيب غير عادي ، السورة لا أستطيع أن أشرحها كلها في هذا الموقف ، وإنما ألقي عليها نظرة عجلى ، وإن بقي لدي من الوقت ما يسمح بشيء من الزيادة زدت ملاحظة ضرورية ستأتيكم إن شاء الله .
هذه السورة تشير في مطالعها إلى حادث شهير ذكره القرآن في هذه السورة وجاءت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم مصرحة بالوقوع ، تشير إلى اشتهر بانشقاق القمر ، اسمعوا أول السورة ( بسم الله الحمن الرحيم ، اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يُعرضوا ويقولوا سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ، ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ، حكمة بالغة فما تغنِ النذر ، فتولَ عنهم يوم يدعو الداعِ إلى شيء نكر ، خشعًا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر ، مهطعين إلى الداعِ يقول الكافرون هذا يوم عسر ) هذه فاتحة السورة الكريمة تشير إلى واقعة هي انشقاق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة النبوية أثناء انصباب المحن وصنوف البلاء على المسلمين .
والروايات كما قلنا في الحديث الشريف جاءت مصرحة بأن المشركين من المكيين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر نصفين ، فلقة ثبتت في مكانها ، وأخرى ذهبت خلف الجبل ، حتى رؤي حراء وهو الجبل المعروف قرب مكة من بين فرقتي القمر المنشق استجابة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه في المسند حدثنا معمر يعني ابن راشد عن قتادة عن أنس أن أهل مكة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم القمر قد انشق شقين . وأخرجه من طريق قتادة أيضًا البخاري في الصحيح ، ولم ينفرد أنس بهذه الرواية ، فالرواية في الصحاح وليس خارج الصحاح ، لو أردت أن أذكر لكم عما جاء عنها خارج صحاح الحديث لطال بنا المطال ، ولكنها في الصحاح مروية عن أنس بطرق صحيحة وثيقة ، ومروية عن جبير بن مطعم رضي الله عنه بطرق صحيحة وثيقة ، ومروية عن ابن عباس رضي الله عنهما بطرق صحيحة وثيقة ، وعن ابن عمر كذلك ، وعن عبد الله بن مسعود ، فهؤلاء خمسة من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يثبتون هذه الواقعة إثباتًا لا شبهة فيها ولا ريب بأسانيد هي كالشمس وضوحًا ، فلا معنى للنقاش والمراء من حول ذلك .
وسأعود فيما بعد لأناقش بعض المفسرين من المحدثين والمعاصرين ممن كبر عليهم للهزيمة العقلية والشعورية التي يحسها ابن اليوم فيسارع إلى تكذيب الخوارق والمعجزات ظنًا منه أنه إنسان عقلاني .. سأعود لمناقشة هذه النقطة فيما بعد إن شاء الله .
أقول بعد ذلك بعد أن عرضت السورة الكريمة هذا الخارق المعجز تحدثت عن نبأ أقوام ، وليس غريبًا عنا عن نبأ الأقوام الماضين ، فقد مرّ معنا من قبل حديث عن بعض الأقوام في سورة الفجر ( ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ، وفرعون ذي الأوتاد ، الذين طغوا في البلاد ، فأكثروا فيها الفساد ، فصب عليهم ربك سوط عذاب ، إن ربك لبالمرصاد ) إذًا فبين أيدينا حديث مضى عن أقوام ثلاثة جاءت الإشارة إليها مقتضبة إلى حدٍ ما ، لكنا هنا نواجه حديثًا إضافيًا عن أقوام جدد ، تحدثنا السورة عن قوم نوح ، كما تحدثنا عن قوم لوط ، وهذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها في سياق التنزيل بنبأ هاتين الأمتين مع رسل الله تبارك وتعالى .