فهرس الكتاب

الصفحة 13438 من 27345

يقول الله تعالى مفتتحًا الحديث عن الأقوام المكذبين تسلية وتعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيتًا للمؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانًا لبعض القواعد والأسس اللازمة أثناء العمل من أجل هذا الدين وحمل حقيقة هذا الإسلام ، يُفتتح الحديث عن قوم نوح ولا غرابة ، فنوح الأب الثاني للبشرية ( كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ) وللمتأمل أن ينظر في هذه المقالة التي وُوجه بها نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام وإلى تكررها على ألسنة المكذبين باستمرار حتى استقرت على ألسنة الذي كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، أما أنهم قالوا إن محمدًا عليه الصلاة والسلام مجنون فذلك أشهر من أن يُذكر ، وليس بعيدًا عنكم ما كان من حديثنا عن قول الله تعالى في فاتحة سورة القلم ( نون والقلم وما يسطرون ، ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) فنفى عنه الجنون . وكما ازدجر نوح عليه السلام ونُهي عن المضي في الدعوة إلى الله فقد ازدجر محمد عليه الصلاة والسلام ونُهي عن الدعوة إلى الله تعالى .

وفي أول سورة نزلت من القرآن وهي سورة العلق ( أرأيت الذي ينهى ، عبدًا إذا صلى ، أرأيت إن كان على الهدى ، أو أمر بالتقوى ، ألم يعلم بأن الله يرى ، كلا لئن لم يتنهِ لنسفعن بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة ، فليدعُ ناديه ، سندع الزبانية ، كلا لا تطعه واسجد واقترب ) فالفاتحة كما ترون عندما انعقل عن الله تعالى معنى ما أراد في كتابه ليست تراد لكي يقصّ علينا قصص من تاريخ الأقوام الذين مضوا ، فشأن القرآن أرفع وأجل وأعظم وأكثر فاعلية من أن يكون كتاب تاريخ يثبت وقائع من وقائع التاريخ ، ولكن القرآن يختار الواقعة التاريخية لتخدم الغرض العام فتأتي في مناسبتها الخاصة وفي تقديرها الذي لا يوجد إلا في محكم التنزيل في كتاب الله تعالى . والذي يقرأ هذا الكلام يدرك بكل سهولة أن مردوده في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أن يا محمد ليس بدعًا من البدع ما وُوجهتَ به من صد وتكذيب ، فقد صُدّ من قبلك وكُذّب رسل الله جميعًا . وليس جديدًا من سفاهة البشرية وضلالها أن يقال لك إنك مجنون ، فأبو الأنبياء نوح قيل له ذلك ، وليس جديدًا أبدًا أن تزجر عن الدعوة إلى الله فقد ازدجر من قبلك نوح وهو أول الرسل من أولي العزم صلوات الله تعالى عليهم ، وإذًا فالذي يراد منك يا محمد أن تزداد بصيرة في أمر الله ، وأن تزداد رسوخًا على طريق الدعوة ، وأن لا يلفتك عن مرضاة الله تعالى هذه السفاهة الصغيرة التي تخرج وتنجم من قوم سفهاء الأحلام صغار العقول .

فهذا ما يستقر في ذهن أي قارئ للقرآن ، ولك بعد أن تعمم ، فالمسألة أي هذه الواقعة الدعوية الحركية ليست واقفة عند حدود النبيين والمرسلين ، وإنما هي واقعة تتكرر باستمرار على مدى الأيام والأدهار والعصور ، فحيثما رأيت دعوةً إلى الله تأخذ طريقها باستقامة وتثبت قدميها في مستنقع الموت في سبيل الله جل وعلا تواجه بهذه السخرية المهينة ، إن هؤلاء الدعاة مجانين وإنهم أهلٌ لأن يزجروا وينهوا كما يُنهى السفهاء والمجانين ومن في حكمهم . ولكن لن يمضي إلا قليل وقت حتى يضحك الذين كانوا يبكون من قبل ، ويبكي الذين كانوا يضحكون من قبل ذلك ، ذلك بأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

فالقصة التي بُدأت بها هذه السلسلة من الأحاديث وهي قصة نوح عليه السلام زاخرة بالعبر والدلائل مما لا أريد أن أتعرض له الآن ، ولكني ألمعت إلماعًا يشبه أن يكون ضوءًا أمام الإخوة لكي يقرؤا القرآن بعقلانية أكثر وبتدبر أكثر ، فوراء كل آية وكل كلمة من كلمات الله جل وعلا عالم من المعاني يحتاج إلى ناس يقرؤونه بوعي لكي يدركوا مرادات الخالق تبارك وتعالى .

نمضي ( كذبت قبلهم ) يعني قبل هؤلاء المشركين ( قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر ، وحملناه على ذات ألواح ودسر ، تجري بأعيننا ) أي بحفظنا ( جزاءً لمن كان كفر ، ولقد تركناها آية ) أي تركنا هذه الواقعة آية يتناقل الناس خبرها سلفًا عن سلف ، أو تركنا السفينة التي حملت نوحًا ومن معه آية بيّنة على قدرة الله حتى أدركت بقاياها أوائل هذه الأمة ، ولقد حدثني بعض الذين يسكنون في منطقة الجودي وهو الجبل الذي رست عليه سفينة نوح في أشهر الروايات أنهم يجدون إلى الآن بقايا المسامير المتخلفة عن سفينة نوح عليه السلام في قمة جبل الجودي ، ولكني ما رأيت ذلك بعيني للأسف ، مع أني كنت قريبًا من قمة الجبل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت