فهرس الكتاب

الصفحة 12419 من 27345

"التقليد"تعبير عن عطاء جاف ميّت لا حياة فيه ولا يتجدّد ."التقليد"تعبير عن عطاء لا موهبة فيه ، ولا يكون ثمرة تفاعل في ذات الشاعر أو الأديب .

قانون الفطرة ونظريَّة تولّد النصّ الأدبي يقومان على الآيات البينات والأحاديث الشريفة التي تبيّن لنا أن كلّ إنسان يولد على الفطرة ، وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه .

وقد غرس الله برحمته وحكمته ميولًا وغرائز وقوى في الفطرة . وأهم هذه القوى"الإيمان والتوحيد"، وكأنّ هذه القوة تمثل النبع الصافي الذي يروي سائر القوى ريًّا متوازنًا حتى تقوم كل قوة أو ميل أو غريزة بالمهمة التي خلقها الله لها . فإن لم يتمّ الريّ المتوازن بسبب الآثام ، أو إذا انقطع بسبب ذلك ، فلا تقوم هذه القوى بمهمتها . ومن ناحية أخرى فإن هذا النبع الصافي للإيمان والتوحيد يقوم بتصفية ما يدخل الفطرة من زاد الواقع الخارجي ، من علوم وخبرة وغير ذلك ، حتى يظل هذا الزاد في فطرة المؤمن نقيًا . والنيّة الخالصة لله هي التي تفتح نبع الإيمان والتوحيد ليروي القوى والميول والغرائز بالريّ المتوازن . ومن بين القوى في الفطرة قوتان كأنهما قطبان هامّان هما: الفكر والتفكير ، والعاطفة والشعور . وعليهما تستقرّ شحنات الزاد من الواقع ، كما تستقرّ الشحنات على قطبين مغناطيسيين . وتنمو هذه الشحنات مع نموّ زاد الواقع ، حتى تأتي لحظة يحدِّدها قدر الله ، تصبح الشحنات على القطبين قابلة للتفاعل ، فتأتي الموهبة التي يضعها الله فيمن يشاء من عباده ، فتشعل التفاعل ، وينطلق العطاء شعلة حيّة غنية على قدر صفاء الإيمان والتوحيد وإخلاص النية ، وعلى قدر الزاد الذي يكوِّن الشحنات ونوعه ومادته .

إن العطاء الذي يخرج من هذا التفاعل في ذات الإنسان لا يمكن أن يكون تقليدًا ، لأنه غنيّ بالحياة التي تتجدّد مع كلّ عطاء . إنه التجديد الممتد والإبداع الغني على قدر غِنى العوامل التي ولدته: الإيمان والتوحيد ، النيّة ، التفكير ، العاطفة ، زاد الواقع وأهمه منهاج الله ، الموهبة .

ولو أخذنا قصائد الشعراء المجيدين المبدعين قديمًا وحديثًا ، ممن تخرج قصائدهم محافظة على الوزن والقافية ، لوجدنا أنّ كل قصيدة موضوع جديد ، وصورة جديدة وحركة جديدة إنها شيء جديد زادها الوزن والقافية لألأة وجمالًا ولذلك جاءت قصيدتي:

"لآلئ الشعر أوزان وقافية"

لاّلئُ الشِّعْرِ أَوْزانٌ وقافِيةٌ

تَشِعُّ مِنْ وَهَجِ الإِبْداعَ أَنْوارا

الشِّعْرُ فَنُّ وآلافُ السِّنين بَنَتْ

لآلئَ الوزنِ أو صَاغَتْ لَه الغَارا

لِسَانُهُ لُغةُ القُرْآنِ آيَتُها

إِعْجازُه دَارَ إِجْلالًا وإِكْبارا

وَعَبْقَرِيُّ عَطاءِ الشعْرِ قَافِيةٌ

تَجْري مَعَ"البَحْر"إِنشادًا وإِبْحارا

الشِّعْرُ فنُّ إّذا ما قُلْتُه انتفَضَتْ

مِنْكَ الجَوارح تَحْنَانًا وَتَذْكَارا

في صُورةٍ جَمَعَتْ أَلْوانَها فَزَهتْ

وحرّكَتْ من بَدِيع اللَّحْنِ أوتارا

وخفقَةٍ عَبْقرِيُّ الفَنِّ يُطلِقُها

رَوائِعًا مِنْ غَنِيِّ الشعْر أَبْكارا

كَأَنْها اسْتَلْهَمَتْ مِنْ كُلِّ قَافِيةٍ

لَحْنًا تموجُ به الأَشْعَارُ أَشْعارا

وعطّرَتْ بالقوافي كلَّ رَابِيَةٍ

وزيَّنَتْ بالقوافي السَّاح والدَّارا

وأَطْلَقَتْ في سَماء الشِّعْر أَنْجُمَهَا

لآلِئًا وعَلى الآفاقِ أقْمارا

كَأنّما اتَّسَعَتْ للشِّعْر سَاحَتُه

فَكَانَ بَحْرًا وهِاجَ البَحْرُ إِعْصارا

لا يرْكَبَنَّ عَبَابَ البَحْرْ غيرُ فتىً

جَلْدٍ تمرَّس إِقلاعًا وإِبحارا

يَخُوضُهُ كُلُّ ذي عَزمٍ وموهِبَةٍ

ويَنْثَي العَاجِزُ المضطرُّ إِدْبارا

يَغُوصُ يَطْلُبُ مِنْ أَعْماقِه دُرَرًا

ويَعْتَلي ظَهْرَهُ جُوْدًا وإصْدارا

هذي"البُحورُ"بُحُورُ الشِّعْرِ ، واهِبَةٌ

للصَّادقين عُلًا يَزهو وأَعْمارا

وإِنّ فِيها لأَصْدافًا تُصَانُ بِهاَ

لآلِئُ الشِّعْرِ أوْزانا وَأقْدَارا

التقليد مهمّة من لا يملك عناصر العطاء المتجدِّد ، العناصر التي تولّد عطاءه وتطلقه من ذاته ، نابعًا من ثوابت عناصره وزاده ، من جذور عميقة في الفطرة ، لا يشوّهها ولا يحرفها . المقلّد هو من لا يملك إلا أن يبحث عن هذا وذاك ليقلّده . أو عمّن يظنهم الأقوياء فيخدع بهم حتى يكتشف أنهم المنحرفون الضالون المجرمون ، فيُشغَل بقشورهم وزخرفهم الكاذب ، ويخفون عنه جوهر القوة وحقيقة الإِبداع الذي يهدي الله إليه من يشاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت