فهرس الكتاب

الصفحة 21327 من 27345

ففي هذه الآية الكريمة يذكر الله المؤمنين بنعمته عليهم ، وهي أنه سبحانه ألف بين قلوبهم، وهذه النعمة ليست من أعظم النعم على المؤمنين ، بل هنالك نعمة هي أكبر على المؤمنين من هذه، وهي نعمة الإيمان، فبالإيمان يخرج المرء من الظلمات إلى النور، وبه يدخل الجنة على ما كان من عمل، فإن يموتوا على التوحيد يدخلون الجنة وإن كانوا غير متآلفين، وإن استحقوا الإثم العظيم على ذلك ، أما من مات على غير التوحيد فهو من أهل النار وإن أتى بكثير من الأعمال الصالحة ، بل هذا ينطبق عليه قول الله سبحانه: ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا(23) ) . الفرقان

إذًا فنعمة الإيمان أعظم من نعمة تآلف قلوب المؤمنين، فلمَ لم يقل سبحانه: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم كفارًا فهاداكم إلى الإيمان ؟ هذا القول أخي الحبيب يجعلك تستبصر حقيقة غائبة عن ذهنك، وهي إن الإيمان الحقيقي هو ما يحمل أصحابه على التآلف، فقد ألف الله سبحانه بين قلوب المؤمنين بما تحققوا عليه من إيمان، فإن هذا التآلف لا يكون إلا بالإيمان، فمهما أنفق الناس من أموال من أجل أن يألفوا بين قلوب العباد، فلن يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا ، قال سبحانه: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63) ). الأنفال

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم"أي لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية بين الأوس والخزرج وأمور يلزم منها التسلسل في الشر حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان كما قال تعالى ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) . وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار في شأن غنائم حنين قال لهم: يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمَن ولهذا قال تعالى ( ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم . أ هـ ، فالله سبحانه ألف بين قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بإيمانهم، فالإيمان الصحيح من شأنه أن يألف بين القلوب، لا أن يباعد بينها، وهذا ما نص عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه وغيره قال صلى الله عليه وسلم:(لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على عمل إذا فعلتموه تحاببتم؟، أفشوا السلام بينكم) ."

ففي هذا الحديث ربط صريح بين الإيمان والحب ، فقد علق الرسول صلى الله عليه وسلم دخول الجنة بالإيمان ، وعلق الإيمان بالمحبة ،وعليه لا يكون الإيمان إيمانًا صحيحًا حتى يحمل أصحابه على حب بعضهم بعضاَ ، ومما يعزز هذا المعنى ما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .

فهذا هو مثل المؤمنين، وهذا ما يجب أن يكونوا عليه، لذا نهى ديننا الحنيف عن كل ما يحول دون محبة المسلمين بعضهم لبعض وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ) .

وإذا حرم الإسلام شيء فهو يكون محرمًا لمقدماته، وهذا بناء على القاعدة الشرعية: ( الوسائل لها حكم المقاصد ) والوسيلة إلى الحرام محرمة، فكل أمر يحول دون تآلف قلوب المؤمنين فهو محرم، ومن أبرز ذلك التفرق والاختلاف، لذا شدد الله سبحانه في هذا الأمر وتوعد أصحابه بالعذاب العظيم، قال سبحانه: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105) ) . آل عمران قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضية في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم .

ثم ذكر عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ما رواه في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة - وهي الجماعة - وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت