وهكذا يُخرج الإسلام رجالا يعيشون لمجتمعهم قبل أن يعيشوا لأنفسهم , لأنهم يعتقدون أن بذل المعروف والإحسان للمسلمين يرفع من رصيدهم الأخروي , وهم إنما يعملون للآخرة , فإذا كان المال مطية للوصول إلى السعادة الأخروية فما أهون بذله على نفس المؤمن التقي !! وما أسعد المجتمعات البشرية بالمؤمنين السابقين بالخيرات !!
وللمزيد من بيان أثر الصدقة في حياة المتصدق وأثر الإمساك في حياة الممسك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يضرب لهما مثلا بقوله"مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُنَّتان من حديد قد اضطرَّتْ أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشِّي أنامله وتعفو أثره , وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة قلصتْ وأخذتْ كل حلقة مكانها"قال أبو هريرة رضي الله عنه: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه , فلو رأيتَه يوسِّعها ولا توسَّع"أخرجه مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( [6] ) ."
فهذا تعبير عن شعور المتصدق بالراحة النفسية والطمأنينة والفرح الغامر لما يراه من أثر إنفاقه في حياة الفقراء وقيام المشاريع الخيرية , وعن شعور البخيل الممسك بضيق النفس وبلبلة الفكر, فهو يرى ما للمنفقين من سمعة طيبة ومحبة بين الناس , ويريد أن يكون مثلهم ولكن نفسه الأمارة بالسوء تمنعه من الإنفاق وتزيِّن له الاحتفاظ بالمال فهو يعيش في قلق بسبب فوات السمعة الحسنة التي لاتكون إلا بالإنفاق .
( [1] ) صحيح مسلم , رقم 1014 , الزكاة (ص702) ,والفَلُوُّ ولد الفرس سمي بذلك لأنه فلا عن أمه أي فصل, والفصيل ولد الناقة إذا فصل من رضاع أمه .
( [2] ) سنن أبي داود , رقم 1649, الزكاة (2/298) ] وأخرج مسلم رحمه الله نحوه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما[صحيح مسلم , رقم 1033 , الزكاة (ص717) .
( [3] ) هو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث الأنصاري شهد أبوه بيعتي العقبة وبدرا ,واشتهر معاذ بنسبته إلى أمه عفراء.
( [4] ) صفة الصفوة 1/472 .
( [5] ) طبقات ابن سعد 3/488 وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الخبر رواه الطبراني والحسن بن سفيان - الإصابة 1/298 رقم 1532 .
( [6] ) صحيح مسلم , رقم 1021 , الزكاة (ص 708) .