والآية التي تصب حممًا من نار على طبقة (رجال الدين) من (الأحبار والرهبان) الذين اشتروا بعقيدتهم ثمنًا قليلًا، وراحوا يدجلون على الناس باسم الدين ليأكلوا أموالهم ويضخموا بها حجم كنوزهم من الذهب والفضة. وكأن القرآن الكريم يفتح أعين المسلمين جيدًا، ويستفز وعيهم الدائم كي لا يتيحوا لظاهرة هدامة كهذه أن تبرز في مجتمعهم وبين ظهرانيهم، مهما كانت على درجة من الضآلة والخفاء، ويندد بكل من تحدثه نفسه بممارسة الأسلوب الذي مارسه الأحبار والرهبان طويلًا. وهذا وغيره من الأسباب يفسر لنا انعدام ظهور المرتزقة بالدين في تاريخنا وظهور نقيض هذا تمامًا، رجال الفكر الإسلامي وهم أشد الناس فقرًا وتواضعًا واندماجًا في حياة الناس العاديين، ورفضًا لمواقع السلطة وإنكارًا لإغراء الذهب والفضة. ليس هذا فحسب، بل إن القرآن يوجه تحذيره الرهيب إلى المسلمين أنفسهم ألا يكنزوا الذهب والفضة، وأن ينفقوها في سبيل الله، وأنه بدون هذا وذاك فسوف تنقلب عليهم وبالًا يوم الحساب … وأي مترف أو غني تستحيل حياته إلى تكديس للمال، والناس يتضوّرون جوعًا، دون أن يتحرك بأمواله لوقف ظاهرة الجوع والحرمان، فإن له أن يتصور أن هذا الخطاب موجه إليه، وأنه غريب عن المجتمع الإسلامي الذي ينتمي إليه، بل إنه مارق عن قيمه وأهدافه (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) (16) . (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ أي اليهود: يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(62) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (17) .
وفي آيات أخرى من سورة الفجر يتكرر هذا التنديد بجمع المال وأكل التراث ويرتبط جدليًا بعدم إكرام اليتامى و (الحض) على إطعام الفقراء، مبتدئًا بكلمة الزجر القرآنية العنيفة: كلا !! (كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ(17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (19) . ونحن لا نستطيع إلا أن نلحظ السمة الجماعية المشتركة في فعل (تحاضون) ، والمفهوم الحركي الكامن في صيغة المبالغة.
(1) الإسراء 26.
(2) المعارج 24 - 25.
(3) الداريات 19.
(4) الأنعام، بعض الآية 141.
(5) الماعون 1 - 7.
(6) الحاقة 33 - 37.
(7) الفجر 17 - 18.
(8) البقرة 268.
(9) النساء 74.
(10) البلد 11 - 16.
(11) البقرة 219.
(12) النساء 5.
(13) البقرة 188.
(14) النساء 2.
(15) النساء 29 - 30.
(16) التوبة 34 - 35.
(17) المائدة 62 - 63.
(18) الفجر 17 - 20.