فهرس الكتاب

الصفحة 3218 من 27345

كما جاء في جمع علي رضي الله عنه بين الآيتين: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) ( [11] ) ، وقوله تعالى: (وفصاله في عامين) ( [12] ) ، أن أقل مدة للحمل ستة أشهر، وقد خفي هذا على عثمان رضي الله عنه. والتفاوت في الفهم جعل عدي بن حاتم رضي الله عنه يقول عند نزول آية: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض...) :"إني لأضع تحت وسادتي عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فلا أزال آكل حتي أتبينهما"، فقال صلى الله عليه وسلم: (( إن وسادك لعريض، إنما هو بياض النهار وسواد الليل ) ).

(4) التفاوت في الحصيلة العلمية، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الناس منهم الذي يفرغ جهده للعلم، ومنهم من يعطيه فضل وقته، وكل ينال بحسب جهده، وقد قالوا: العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه. وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه:"إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفْق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون" ( [13] ) .

لهذين السببين يمكن أن نقول بأن الخلاف لايُنكر وجوده ولا ينعدم حدوثه، زِدْ على ذلك أن الخلاف من طبيعة البشر، ولا يمكن التخلص منه في العادة، قال تعالى: (ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك) ( [14] ) ، قال الشاطبي:"فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالًا في العادة" ( [15] ) .

المطلب الثاني: هل كان الخلاف غاية؟

كان الصحابة رضوان الله عليهم أشد الناس حرصًا على الحق وتعلقًا به؛ فهو ضالة المؤمن التي ينشدها، لأنهم يقرءون قول الله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال) ( [16] ) ، ولم يكن الخلاف عندهم نزعة هوي، ولا غاية مقصودة، بل حرصًا على الحق، وحين يتبين لهم كانوا أسرع الناس رجوعًا إليه، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري لما روي أبو هريرة حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا صوم لمن أصبح جنبًا ) )، وأمر مروان عبد الرحمن بالذهاب إلى عائشة رضي الله عنها وقالت:"كان صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من جماع لا احتلام ويتم صومه"، ولما أخبروا أبا هريرة رضي الله عنه قال:"إنما اخبرني الفضل بن العباس، وأمهات المؤمنين أعلم بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم منا" ( [17] ) ، وهذا ظننا بهم رضي الله عنهم.

ثم حمل العلم بعدهم التابعون وأتباعهم ووسِّد إليهم الأمر، فنسجوا على منوال الصحابة الأخيار، وما ورد عن أحدهم أنه ردَّ حقًا بعد ما تبين له، ثم جاء بعدهم الأئمة الأعلام. قال ابن تيمية:"وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا وجد للواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافة، فلا بد له من عذر في تركه" ( [18] ) .

وما ذاك إلا أنهم أيقنوا أن الحق يُتعرّف عليه من خلال النصوص التي هي مصدر هداية الأمة، فتبعوها، والنتيجة أن الخلاف لم يكن غاية في ذاته، بل كل واحد يطلب الحق بطرقه ووسائله، ويقع الخلاف لأي سبب من الأسباب، فلا بد للأمة أن تخلص النية في طلب الحق لتتفق عليه ولا تختلف.

وترتب على هذا أن الخلاف لم يكن يفسد للود قضية، ولم يكن سببًا في القطيعة والتدابر. قال الصرفي:"ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، إلا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة" ( [19] ) .

قال الذهبي:"هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه" ( [20] ) ، وقال يحيى بن سعيد القطان:"ما برح أولوا الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه" ( [21] ) .

وقال:"أهل العلم أهل سعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، وأن المسألة لترد على أحدهم كالجبل، فإذا فتح لها بابها قال ما أهون هذه".

قال ابن تيمية:"قد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا) ( [22] ) ، وكان يتناظرون في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين."

نعم، من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافًا لا يُعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع، وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شئ تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة" ( [23] ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت