فهرس الكتاب

الصفحة 3219 من 27345

ونقل الشاطبي عن بعض المفسرين قوله:"كل مسألة حدثت في الإسلام، ما اختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء" ( [24] ) ، فلو كان الغاية الحق ما رأيت تنازعًا وشقاقًا بين هذه الأمة، والله المستعان.

المطلب الثالث: أسباب اختلاف الفقهاء

إن المقرر المعلوم ــ الذي لا يخفي على أحد، ولا تخطئه عين ــ وقوع الخلاف بين الفقهاء، وكتب الفقه تعج بذلك، ويجب أن يُعلم أن هناك جملة من الأسباب اتفقت واجتمعت وأكدت حتمية وجود الاختلاف، ومهدت الطريق لحدوثه، ولم يكن مقصودًا لذاته كما بينا، وفي هذا المبحث نطرح هذه الأسباب كما ذكرها العلماء وهي كالآتي:

أولًا: اختلاف بسبب النصوص الشرعية:

ويظهر هذا في الآتي:

(أ) عدم وقوف بعض العلماء على بعضها: فقد يقف بعضهم على حديث لا يصل إليه الآخر، فيفتي برأيه، وقد يقع اجتهاده موافقًا للنص كما ورد في سنن النسائي وغيره:"أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن أمرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها، فقال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك؛ فاختلفوا عليه شهرًا، وألحوا، فاجتهد برأيه وقضي بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضي بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود رضي الله عنه فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام" ( [25] ) .

وربما وقع اجتهاده مخالفًا للنص كعثمان رضي الله عنه كان يفتي بأن المتوفي عنها زوجها لا تعتد في بيت الموت، ولم يكن له علم بحديث الفريعة بنت مالك رضي الله عنها لما توفي زوجها قال لها صلى الله عليه وسلم: (( امكثي في بيتك حتي يبلغ الكتاب أجله ) ) ( [26] ) .

ونظائر هذا عند الصحابة كثيرة، وما ذاك إلا لأن الصحابة رضي الله عنهم ما زعم أحدهم لنفسه أنه استوعب السنة كاملة وكذا التابعون.

قال شيخ الإسلام:"هؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم أنقص، فخفاء بعض السنة عليهم أولى، فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة، أو إمامًا معينًا فهو مخطئ خطأ فاحشًا قبيحًا" ( [27] ) .

(ب) الاختلاف في ثبوت النصوص: يقول ابن تيمية:"وهو أن يكون قد بلغه الحديث، لكنه لم يثبت عنده" ( [28] ) ، كأن يكون فيه علة توجب رده، وقد يكون مقبولًا عند غيره كحديث: (( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ) )ضعفه الحنفية وعمل به الجمهور لصحته عندهم.

(ج) وجوه قراءتها: فقد يقرأ بعض العلماء بقراءة ويقرأ آخرون بقراءة أخرى، وكل قراءة تؤدي إلى حكم شرعي. كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) قُرِأ ( أرجلكم) بالفتح وبالكسر، فأخذت كل طائفة بوجه.

(د) الاختلاف بسبب دلالة النصوص: وذلك لأن النصوص تدل على الأحكام بطريقتين:

الأول: المنطوق وهو الدلالة على الحكم في محل النطق.

الثاني:المفهوم بنوعيه الموافقة والمخالفة، وهو الدلالة على الحكم في محل النطق.

ويقول العلماء: إذا دلت النصوص على أي حكم من الأحكام بأي طريقة من طرق هذه الدلالة علمنا أنه مراد النص، وقد وقع الخلاف بسبب انكار الحنفية لمفهوم المخالفة وغيره من الدلالات.

وقد يكون المنطوق صريحًا أو غير صريح؛ وبسبب ذلك قد يقع الخلاف. وقد يكون النص ظاهرًا أو نصيًا أو محكمًا أو مفسرًا أو يكون خفي الدلالة.

وقد تكون الدلالة محتملة للوجهين كحديث: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ) )، وهو في الصحيحين، قال ابن تيمية:"بعضهم تمسك بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم، فإن المقصود المبادرة إلى الذين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم" ( [29] ) .

(هـ) اختلاف بسبب تعارضها، والمعلوم أنه لا تعارض بين النصوص في أصلها، وإنما التعارض ينشأ بنظر المجتهد في النصوص، وقد وقع خلاف بين العلماء عند ورود نصوص ظاهرها التعارض.

فذهب الجمهور ( [30] ) مذهب الجمع بين النصوص، فهو عندهم أولى من الترجيح، وذهب الحنفية ( [31] ) إلى تقديم الترجيح على الجمع وهذا له أثر على الفروع.

مثال التعارض بين النصوص: ما ورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في (رفع اليدين في الصلاة) في البخاري، وما عارضه عند الترمذي بإسناد حسن أن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"كان صلى الله عليه وسلم لا يرفع يده في الصلاة، فأخذ الحنفية والمالكية بالثانية والحنابلة والشافعية بالأولى."

(و) قد يرد النص لعالم ثم ينساه ويعني بخلافه وذلك لأن البشر معرض للسهو والنسيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت