مثاله: ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر، فلا يجد الماء؟ فقال:"لا يصلي حتي يجد الماء"فقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما:"يا أمير المؤمنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأجنبنا وأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصلِّ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( إنما يكفيك هكذا ) )وضرب بيديه الأرض، فمسح بهما وجهه وكفيه"؛ فقال عمر:"اتق الله يا عمار"، فقال:"إن شئت لم أحدث به"، فقال:"بل نوليك من ذلك ما توليت" ( [32] ) .
ثانيًا: اختلاف بسبب اللغة:
اللغة العربية موضوعة للتخاطب، يعبر بها الإنسان عما يدور في نفسه من معان، يفهمها الآخر ففي اللغة هنالك الألفاظ المشتركة وهي"اللفظ الواحد الذي يحتمل معاني متعددة".
والمعروف أنه لا يحمل على أحدهما إلا بقرينة وقد يختلف الناس في هذه القرينة.
مثاله قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن لأنفسهن ثلاثة قروء) ، فالقرء يطلق ويراد به الطهر، ويطلق ويراد به الحيض.
فحمله بعض العلماء ( [33] ) على معني الطهر لقرينة تأنيث العدد (ثلاثة) ، فلو كان المراد الحيض لذُكر مذكرًا، وحمله على الحيض مستدلين بحديث: (( طلاق الأمة سنتان، وعدتها حيضتان ) )، وهذا يدل على أن المعتبر في العدد الحيض لا الطهر.
وكذا قد يستعمل اللفظ وفي غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي وهو المعروف بالمجاز وغير ذلك.
ثالثًا: خلاف بسبب القواعد الأصولية:
والمراد بذلك القواعد الأصولية القواعد التي نصبها العلماء لضبط الاستدلال والاستنباط، وتسهيل الوصول إلى الأحكام الشرعية، وهذه القواعد وقع فيها خلاف بين العلماء تتيح بسببه خلاف في الفروع.
قال الأشقر:"وهذا الاختلاف من أهم أسباب الاختلاف" ( [34] ) ، ويظهر الخلاف بسبب القواعد في الآتي:
(أ) الخلاف في أصل التأليف فيها، وطريقة التأليف عند جمهور المتكلمين تختلف عن طريقة الحنفية، فالجمهور قعدوا القواعد بالنظر إلى النصوص دون النظر إلى اجتهادات العلماء، وهي المعروفة بالطريقة النظرية. أما الحنفية فقعَّدوا القواعد بالنظر إلى اجتهادات علماءهم وهي الطريقة العملية، ولا شك أن ذلك يدفع إلى الخلاف في بعض المسائل.
(ب) الخلاف في ضبط بعض القواعد: فبعض العلماء بتوسع في القاعدة بغير ضوابط، فيقع بسبب ذلك خلل في المحتوى ومخالفة للآخرين، كالخلاف في قاعدة (الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال) فليس كل احتمال يبطل الدليل بل الاحتمال الصحيح.
وكالتأويل الذي تُصرف به النصوص عن ظاهرها وليس كل تأويل، كما فعل الحنفية في الشاة والكفارة واليمين وغيرها وصرف المرأة في حديث: (( إيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ) ) ( [35] ) فقالوا المراد بها الأمة، ولما ردوا عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (( ولها المهر بما استحل من فرجها ) )، أن المهر لا يكون للأمة عندهم عدلوا إلى المكاتبة.
(ج) وقد وقع الخلاف بسبب اختلاف العلماء في بعض القواعد كقاعدة (الأمر بعد الحظر) ، (أو دلالة العام على الأحكام) ، وغير ذلك.
(د) الاختلاف في حجية المصادر: كالاحتجاج بالقياس بين الجمهور والظاهرية، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، والاستحسان وسد الزرائع، وغير ذلك مما يؤدي إلى اختلاف في الفروع. هذه جملة من الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين الفقهاء فيما سبق ( [36] ) .
المطلب الرابع: أثر خلاف الفقهاء على العاملين في الدعوة
ولا ينكر أحد ولا يخفى على صاحب أدنى بصيرة أن ما وقع من خلاف سابق كان له الأثر المباشر على خلاف العاملين، خاصة وقد اجتمع على عدة أسباب عمقت الخلاف ورفعت عجلته، وفي هذا المبحث نذكر بعض الآثار الإيجابية والآثار السلبية وبعض الأسباب التي عمقت الخلاف بين العاملين.
يقول العلواني:"ومن المسلم به أن أسباب الاختلاف تتباين بين الأعصار، وأن كل عصر يورث الأعصار التالية بعض أسبابه" ( [37] ) .
فإليك بعض هذه الآثار:
أولًا: آثار إيجابية:
هناك جملة من الآثار الإيجابية للخلاف على العاملين في حقل الدعوة نذكر منها ما يلي: التدقيق والتحرير للمسائل والبحث والتنقيب، والتصحيح والتضعيف وظهور العلم لأن الخلاف يبعث المتنازعين إلى تقوية أدلتهم وضبط مسائلهم، فكثير من هؤلاء تبين لهم بالبحث الحق فاتبعوه وارتفع الخلاف، وهذا المشاهد في الواقع هذه الأيام حيث تشهد رجوع عدد من الشيعة إلى السنة وعدد من المبتدعة إلى الحق خاصة أهل العلم المخلصين. ونشطت الحركة العلمية في وسط المجتمع.
ثانيًا: ضبط الخلاف بقواعد متينة كان له الأثر في تضييق دائرة الخلاف، فالفقهاء رحمهم الله لما اختلفوا، ما تركوا الخلاف هكذا، إنما ضبطوه بقواعد لئلا يؤثر على المسلمين فيما بعد، ومن ذلك: